الأزهر وأزمة سد النهضة



استيقظ العالم يوم السبت الماضي على رسالة فيديو بليغة لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، علق فيها بشكل غير مباشر على الصراع الحالي بين مصر والسودان وإثيوبيا على نهر النيل. استقبل الجمهور المصري رسالة شيخ الأزهر، الذي يمثل أعلى سلطة دينية في العالم الإسلامي، بترحيب واسع، بينما لم يستطع بعض الجمهور الغربي فهم الأسباب التي دفعت الرمز الإسلامي الكبير للتعليق على الصراع الجيوسياسي الدائر حول بناء أثيوبيا سد النهضة.


في الواقع، كان تعليق الأزهر مجرد رد فعل على الاستغلال المخزي للخطاب الديني من قبل الحكومة الإثيوبية لتبرير تعريض حياة عشرات الملايين من البشر في دول المصب للخطر، بسبب بناء سد على منبع النيل الأزرق. بمعنى آخر، فإن موقف الأزهر هو محاولة للتصدي لاستغلال بعض السياسيين الفاسدين للدين.


وسط التوترات السياسية والعسكرية المحتدمة بين مصر وأثيوبيا في الفترة الأخيرة، كرس القيادات الإسلامية في أثيوبيا وقتها لإصدار فتاوى دينية تهدف إلى حشد المواطنين المسلمين، الذين يمثلون ما يقرب من ٣٥٪ من السكان، خلف قرارات الحكومة المرتبطة ببناء وتشغيل سد النهضة. المؤسف أن معظم هذه الفتاوى، في تناقض صارخ مع الحقيقة، تظهر مصر زوراً على أنها دولة معتدية على حقوق إثيوبيا الجغرافية وسيادتها.


قال الشيخ حاج عمر إدريس، مفتي إثيوبيا ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي، في شهر مارس: "يقول المصريون إنهم تضرروا من انتفاع إثيوبيا بمياه النيل. هذا ليس عدلاً ويتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية. لقد أثبت الشرع أن الدولة التي ينبع الماء فيها يجب أن تستفيد منه، ثم تعطي ما يفيض على حاجتها إلى جيرانها، إن شاءت". خلال صلاة عيد الفطر، في مايو، ظهر عدة أشخاص يحملون شعارات ولافتات تؤيد حق أثيوبيا الإلهي في حجب مياه النهر وراء السد وبيعها لمن يريد. استند إدريس في فتواه المضللة إلى أحد أحاديث النبي محمد. إلا أن دار الإفتاء المصرية دحضت هذه المزاعم ونشرت أحاديث نبوية تؤكد على أن المياه مورد طبيعي لا يمكن لأحد أن يمتلكه بشكل حصري لأن الانتفاع منه حق مشترك بين كل الناس.


في أوائل يونيو، قدم إمام الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أثناء مشاركته عبر الفيديو في احتفالية الأمم المتحدة باليوم العالمي للبيئة، تعليق غير مباشر على الصراع المرتبط بسد النهضة، حيث قال: وأضاف الطيب خلال كلمته في احتفالية الأمم المتحدة باليوم العالمي للبيئة، أمس ‏الجمعة، أن “الدين ‏عند من يؤمن به ويحترم قوانينه، يحكم ‏حكما صريحا بأن ملكية الموارد الضرورية ‏لحياة الناس هي ملكية عامة. لا ‏يصح بحال من الأحوال، وتحت أي ظرف من ‏الظروف، أن تترك هذه الموارد ‏ملكا لفرد، أو أفراد، أو دولة تتفرد بالتصرف فيها ‏دون سائر الدول المشاركة لها ‏في هذا المورد العام أو ذاك. هذا من ‏أمس ما يتعلق بموضوع الإفساد في الأرض، ويجب أن يتكاتف العالم لوقفه قبل أن ‏تنتقل عدواه إلى نظائره من البيئات والظروف المتشابهة. إن الماء بمفهومه الشامل، الذي يبدأ من ‏الجرعة ‏الصغيرة وينتهي بالأنهار والبحار، يأتي في مُقدمة الموارد الضرورية التي ‏تنص ‏شرائع الأديان على وجوبِ أن تكون ملكيتها ملكية جماعية مشتركة، ومنع ‏أن يستبد ‏بها فرد أو أناس، أو دولة دون دولٍ أخرى، فهذا المنع أو الحجر أو ‏التضييق على ‏الآخرين، إنما هو سلب لحق من حقوق الله، وتصرف من ‏المانع فيما لا ‏يملك".


مع الأسف، وصلت المفاوضات الدبلوماسية بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى طريق مسدود، في شهر أبريل، ومن ثم بدأت مصر والسودان بالفعل في التفكير في خيار خوض الحرب ضد إثيوبيا لحماية أمنهم القومي المعتمد بشكل كبير على مياه النيل، في ظل تعنت أثيوبيا ورفضها التوقيع على اتفاقية ملزمة تحمي دول المصب من أي إساءة محتملة لسد النهضة من جانب الحكومة الإثيوبية. إن إضافة عنصر الدين لهذه المعركة القبيحة، واللعب على المشاعر الدينية للمواطنين المسلمين في أثيوبيا لتبرير قرارات الحكومة، هو لعبة خطيرة للغاية يجب على الحكومة الإثيوبية أن تتوقف عن لعبها.