تبعات الصراع المتجدد بين المغرب والجزائر



تزداد العلاقات بين الجزائر والمغرب تعقيدًا، مرة أخرى، مع تجدد الصراع بينهما على الصحراء الغربية. بدأت التعقيدات تتشكل عندما اعترف الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، بحيازة المغرب لمنطقة الصحراء الغنية بالفوسفات، في نوفمبر ٢٠٢٠. منذ ذلك الحين، أخذت التوترات بين الجزائر والمغرب في التصاعد، متمثلة في سحب السفراء، وإغلاق الحدود، وتبادل الاتهامات.


في الأول من نوفمبر، قتلت متفجرات في المنطقة الخاضعة للسيطرة المغربية في الصحراء الغربية، بالقرب من حدود موريتانيا، ثلاثة جزائريين على الأقل كانوا يقودون شاحنة على الطريق الصحراوي. اتهم الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الدولة الجارة، المغرب، باستهداف المواطنين الجزائريين عن عمد، ووعد بأن قتلهم "لن يمر دون عقاب". حتى هذه اللحظة، لم يتحمل المغرب المسؤولية عن التفجيرات ونفى تورطه بأي شكل نشط في قتل المواطنين الجزائريين.


مع اقتراب نهاية شهر نوفمبر، تفاقمت الأوضاع، حيث أنهت الجزائر فجأة عقد خط أنابيب الغاز الذي يربطها بالمغرب عبر خط غاز يمتد عبر الأراضي المغربية ليصل إلى إسبانيا. على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، كان نسبة عشرة بالمائة على الأقل من الغاز الذي يستورده المغرب يأتي عبر هذه الأنابيب، كعمولة على استضافة خط الأنابيب الجزائري. إن إنهاء هذا العقد المهم الآن هو مؤشر على أن العلاقة بين البلدين قد وصلت إلى مستوى متدهور للغاية. من خلال إغلاق خط أنابيب الغاز إلى المغرب، تعرض الجزائر علاقتها مع أوروبا للخطر. فقد أثارت الخطوة الجزائرية مخاوف في إسبانيا ودول أوروبية أخرى تستفيد من خط أنابيب الغاز المشار إليه. لذلك، أعلنت الجزائر أن هناك خط أنابيب أصغر، لا يزال قيد الإنشاء، سيضخ الغاز مباشرة من الجزائر إلى أوروبا.


كما أثرت التوترات أيضًا على فرنسا، وأعادت إشعال التوترات الدبلوماسية التاريخية بين الجزائر وفرنسا. في تصريحات له، الشهر الماضي، قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن تاريخ الجزائر كتب اعتماداً على كراهية فرنسا، وليس استناداً إلى الحقيقية. كما أتهم ماكرون الجزائريين بالهمجية، مما أثار موجة من الغضب بين الجمهور الجزائري، الذي هو بالفعل حساس تجاه تدخلات فرنسا في شئون السياسة الجزائرية. رداً على ماكرون، أدانت الرئاسة الجزائرية تصريحاته وأكدت أن "مثل هذه التعليقات لا يمكن قبولها". كما أكدت الرئاسة الجزائرية أن الدولة ترفض أي تدخل في الشؤون الوطنية الجزائرية من قبل أي طرف، وقررت الجزائر رسميا سحب سفيرها لدى فرنسا محمد عنتر داود.


على بعد أخر موازي، أثرت التوترات بين الجزائر والمغرب أيضًا على الحالة السياسية المضطربة بالفعل في ليبيا. في ١٢ نوفمبر، عقدت فرنسا مؤتمرا بعنوان "مؤتمر باريس الدولي من أجل ليبيا" لتشجيع قادة العالم والإقليم على دعم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في ليبيا، والمقرر إجراؤها في ديسمبر. وقد رفض الرئيس الجزائري الحضور، رغم تلقيه الدعوة، وأرسل وفداً دبلوماسياً محدوداً للمشاركة.


برأيي أن رفض الرئيس الجزائري المشاركة في مؤتمر باريس لم يضر بفرنسا بقدر ما أضر بالجزائر. فقد أظهر أن الجزائر لا تستطيع أن ترقى إلى الدور الذي تنشده كلاعب إقليمي مؤثر في ملف ليبيا، نظراً لكونها الجارة الأقرب والأكبر لليبيا على الحدود الغربية. ومن المؤكد أن هذا من شأنه أن يسجل المزيد من النقاط لصالح المغرب في المنافسة بين البلدين فيما يتعلق بفوز إحداهما باليد العليا في التأثير على مجريات الأحداث في ليبيا. من الواضح أن الجزائر تهمش نفسها في كل مرة تعمل فيها على تهميش المغرب في سياقها الإقليمي.


في أحدث تصريح له، قال الرئيس الجزائري، تبون، إن التوترات المتزايدة بين بلاده والمغرب "قد تتصاعد إلى نزاع مسلح". ولكن، ليس هناك ما يؤكد أن هذا احتمال وارد. لا يوجد سبب قوي يدفع البلدين لبدء نزاع مسلح قد يزيد من إضعاف الطرفين المتحاربين، خاصة على المستوى الاقتصادي. السيناريو الأكثر واقعية، في هذا الصدد، هو أن التوترات لن تتلاشى في أي وقت قريب، لكن على الرغم من ذلك ستجد العلاقات الثنائية بين البلدين طريقة ما للاستمرار. بشكل عام، تمر منطقة شمال إفريقيا بتغييرات عميقة، مع ظهور قوى جديدة وتلاشي القوى القديمة، وسوف يؤثر هذا على كل بلد في المنطقة، بما في ذلك الجزائر والمغرب، وقد يكون له تأثير أيضاً على حل أو تعقيد الصراعات التاريخية بينهما.