ما بين تركيا والخليج العربي



من المعروف أنه يوجد العديد من التغييرات الشاملة التي تحصل في المنطقة مؤخراً، ولعل أبرزها التغير الشامل ف العلاقة بين تركيا ودول الخليج. في الرابع والعشرين من نوفمبر، التقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في زيارة رسمية. حيث دخلت العلاقة بين الدولتين في "مرحلة جديدة". لم تكن العلاقات الثنائية بين البلدين على مستوى جيد على الإطلاق خلال السنوات العشر الماضية. من ثم، تم اعتبار هذه الزيارة تاريخية من جميع النواحي ومن المتوقع أن تكون سبب في تغير مستقبل المنطقة.


اتخذ البلدان نهجاً مختلفاً في السنوات الأخيرة، حيث كانا على جانبين مختلفين في العديد من الأزمات في السنوات الآخيرة، على سبيل المثال: الأزمة الليبية والحصار الخليجي الذي كان مفروض على قطر والتي كانت ضده تركيا. ومع ذلك، فإن هذه الآراء المختلفة لم تمنعهم من الجلوس سوياً والرغبة في مناقشة أمور مختلفة تخدم كلا البلدين.


تناقلت العديد من الوسائل الإعلامية خبر هذه الزيارة مما يدل على مدى أهميتها. لكن، لم تكن في رأي الشخصي بتلك الزيارة المفاجأة، فقد تم التجهيز لها على مدار العام كله. في يناير، صرّح وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، علانية لمختلف وسائل الإعلام أن الإمارات لديها رغبة في عودة العلاقات مع تركيا. علاوة على ذلك، كان هناك لقاء بين مستشار الأمن الوطني وأردوغان في نهاية أغسطس وناقشا من خلاله كيفية التعاون الاقتصادي بينهم. تمهيد طويل لمثل هذا الاجتماع يمهد لنا السؤال حول ما سيحدث بين الدولتين مع عودة علاقتهم. عند النظر إلى التفاصيل، نجد أن كلا البلدين باستطاعتهما الاستفادة من الآخر.


أولاً، الإمارات. إن المصالحة مع تركيا مفيدة ومحفزة لها لعدة أسباب. إذ أن تركيا تعاني اقتصادياً بشكل كبير مؤخراً بسبب انهيار العملة "الليرة". لذلك فهي تعد الفرصة المثالية لشراء أسهم في الشركات الناجحة في تركيا. من المرجح أن الإمارات تفكر في الفترة التي تعقب هذا الانهيار الاقتصادي. إذ عندما تقف تركيا على قدميها مجدداً، ستتضاعف الأموال التي استثمرتها الإمارات.


سبب آخر، من المحتمل أن الإمارات قد تكون توصلت اخيرا لفكرة أن عودة العلاقات التجارية مع تركيا أكثر فاعلية بكثير من اتباع النهج السابق من التوتر في العلاقات. فإن تركيا أحد عمالقة المنطقة حالياً، ووجودهم بجانب بعض كأصدقاء وليس أعداء هو خطوة للأمام نحو تحقيق علاقة ناجحة. أخيراً، أبو ظبي قد تكون في حالة استعداد لفترة ما بعد أردوغان. بما أن هناك انتخابات رئاسية قادمة قريباً في تركيا، قد يفقد أردوغان مكانه. إذ قد تتمثل خطة الإمارات العربية المتحدة في خلق نفوذ مالي وعام في أنقرة. فالتخطيط لفترة ما بعد أردوغان هي خطوة ذكية سياسياً من الإمارات ومرجحة جداً.


بالنسبة للاستفادة التركية، كان معلوماً أن عودة العلاقات مع الإمارات ودول الخليج كلها مرحب بها جداً. ففي هذا الصدد، صرّح المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين، في أبريل الماضي بأن تركيا ترحب بعودة العلاقات الطيبة مع الإمارات. وألمح وقتها لهذا الاجتماع وأنه سوف يكون اجتماع مفيد لكلا البلدين. إذ أن تركيا سوف تستفيد من هذا التعاون خاصةً في هذا الوقت بسبب انهيار الليرة الكبير في البلاد. هذا الانهيار الاقتصادي يدعو دعوة يائسة لاستثمار أجنبي عاجل وهذا ما فعلته الإمارات. فتفاصيل هذا التعاون كان أغلبه حول الاقتصاد والتجارة. حيث كانت هناك عشر مذكرات تفاهم واتفاقيات موقعة تتعلق بالاستثمار والتمويل والتجارة والطاقة والبيئة. وقد قام رئيس مجلس إدارة شركة أبو ظبي التنموية بالاستثمار ب ١٠ مليار دولار في تركيا.


أما بالنسبة لباقي دول الخليج، خصوصاً السعودية، فإن تركيا ترحب بعودة العلاقات الجيدة مع السعودية. لكن، لا يبدو أنه ترحابٌ متبادل. وهذا يعود لعدة أسباب، أولاً، ملف مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول والذي يبدو أنه ما زال عالقاً ولا يوجد اتفاق بين الدولتين بشأنه. ثانياً، الحلم السعودي بأن تكون "القوة العظمى" في المنطقة، وأنه ليس بحاجة للتحالف مع تركيا. إذ انه يوجد صدام واضح بين الدولتين بخصوص هذا الشأن. لكن، على الرغم من ذلك، هناك تحسنات واضحة مقارنةً بالسنوات الماضية، ويوجد عدة مبادرات للتقارب بين بعضهم من أجل تغيير ميزان القوى في المنطقة. لكن، لم يكتمل التعاون بينهم بعد ولن يكتمل في غياب التواصل الشخصي بين ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" وقيام لقاء بينهما. فبمجرد أن يلتقيا مع بعضهما، العلاقات الثنائية سوف تعود مجدداً.


الكثير رجّح أن العلاقة بين تركيا وقطر سوف تنهار مع عودة العلاقة الإماراتية - السعودية - التركية لحالها. فعلى الرغم أن قطر تمتلك اقتصاد قوي وثري، لكنه لا يتفوق على الاقتصاد الإماراتي. لكن، ليس من المتوقع أو تتأثر علاقتهما كثيراً، خاصةً بعد الزيارة الآخيرة التي قام بها الرئيس التركي في ٧ ديسمبر الماضي للدوحة. والتي من خلالها ناقش الأمير القطري كيفية التعاون بين البلدين. حيث سلط أردوغان الضوء على اهمية الحفاظ على علاقة صحية بين تركيا وجميع دول الخليج وأن جميعهم يعدون أشقاء لتركيا خلال خطابه في الدوحة. كما أنه أيضاً لا يجب أن ننسى أن لتركيا قاعدة عسكرية في قطر واستمرار وجودها العسكري هناك لا يقل أهمية عن استمرار العلاقات التجارية مع الإمارات بالنسبة لأنقرة.


في الختام، هناك تغييرات كبيرة تحدث في المنطقة خلال الأسابيع الماضية. يعد الاتفاق بين الإمارات وتركيا دليلاً واضحاً على هذا الشيء. تركيا تقوم بتغيير سياستها الخارجية تجاه دول الخليج. والإمارات العربية المتحدة استغلت هذا الشي بذكاء سياسي باهر. هناك تحول واضح للحفاظ على علاقة سليمة بين دول الخليج وتركيا للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وعلى أمل ان يتوج ذلك بلقاء رسمي بين ولي العهد السعودي والرئيس التركي.