top of page

لا تصدقوا طالبان



ما زال العالم يحاول أن يفيق من أثر صدمة صعود طالبان السهل والسريع إلى قمة السلطة في أفغانستان، بين عشية وضحاها، في يوم ١٥ أغسطس. من المفارقات، أن نقل السلطة بين الرئيسين الأمريكيين ترامب وبايدن، في يناير، في أمريكا أم الديمقراطية، كان أكثر تعقيداً من انتقال السلطة الذي شهدته أفغانستان من الرئيس المدعوم من الولايات المتحدة أشرف غني إلى تنظيم طالبان المتطرف. لقد كانت الطريقة التي انسحبت بها القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو من أفغانستان، بشكل ساده الهرولة والفوضوي، بعد عشرين عامًا من البقاء في البلاد، سبباً رئيسياً في الاستسلام السريع للجيش والحكومة الأفغانية، بهذا الشكل المذل.


من المؤلم مثلاً أن تعرف أن الجيش الأفغاني، الذي استسلم في مواجهة طالبان مؤخراً، كان أكبر حجماً وأكثر قوى من بعض الجيوش الأوروبية في حلف الناتو. لا ينكر أحد أن الأمريكيين قد عملوا بكد على تدريب الجيش الأفغاني بشكل جيد وتجهيزه بمعدات متقدمة، لكن عندما قررت أمريكا الانسحاب ومغادرة البلاد، لم تكلف نفسها عناء التنسيق مع الجيش أو الحكومة الأفغانية. بدلاً من ذلك، تخاطبت أمريكا مع حركة طالبان، ووقعت اتفاق معها، ومنحوهم فرصة عام كامل لتجهيز أنفسهم للحظة المغادرة. في تلك الأثناء، ظل الشعب الأفغاني والحكومة والجيش الرسمي للدولة غير عليم بتفاصيل ما يجري، وفي لحظة وجدوا أنفسهم وحيدين تماماً وعارين تماماً من حليفهم الأمريكي أمام مسلحي طالبان. لهذا استسلموا!


إن المشاهد المأساوية، في مطار كابول، لمواطنين أفغان يتعلقون بعجلات وأجنحة الطائرات الحربية الأمريكية على أمل الهروب من جحيم طالبان، هي لمحة صغيرة من الألم والبؤس الذي من المتوقع أن يعاني منه الشعب الأفغاني على يد طالبان في الفترة القادمة، خاصة الفئات الهشة مثل النساء والأطفال. على الرغم من ذلك، لا يزال المجتمع الدولي وكبار القادة السياسيين، في غرب العالم وشرقه، يدورون حول أسئلة ساذجة بشأن طالبان وما إذا كانت قد تخلت عن عقيدتها الإرهابية لتمارس السياسة المنفتحة على العالم. وكأن هؤلاء السياسيين لم يبلغوا من العمر ما يكفي أو لديهم خبرة كافية ليتذكروا الفظائع التي ارتكبتها حركة طالبان، في الماضي، ليس فقط داخل أفغانستان ولكن أيضًا في جميع أنحاء العالم، تحت راية ما يدعون أنه الشريعة الإسلامية. في الحقيقة، لا تزال الذكرى الأليمة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك حية في قلوبنا وعقولنا حتى اليوم.


من بين كل التصريحات المزعجة التي أدلى بها قادة العالم، مثل الاتحاد الأوروبي واليونيسيف، حول تفاؤلهم تجاه حكم طالبان في أفغانستان، برز تصريح واحد بشكل خاص. في مقابلة مع قناة سكاي نيوز، وصف رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك كارتر، مقاتلي طالبان بأنهم "أبناء قبائل ريفية" ودعا العالم إلى التحلي بالصبر تجاههم ومنحهم الفرصة لإثبات أنهم "أكثر عقلانية" من طالبان القديمة. المزعج في هذا التصريح، هو أنه من الصعب تخيل أن قائدًا عسكريًا، يتمتع بخبرة وذكاء كارتر، يمكن يكون قد صدق الأكاذيب التي تنشرها حركة طالبان حاليًا حول انفتاحها على إشراك النساء في الحياة العامة والعفو عن الأفغان الذين دعموا قوات الناتو والولايات المتحدة أثناء وجودهم في أفغانستان.


إن الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة والناتو من أفغانستان، بطريقة مكّنت طالبان من الاستيلاء على السلطة، هو خطاً قد يتجاوزه العالم في المستقبل. إلا أن إصرار قادة المجتمع الدولي على إضفاء الشرعية على طالبان وإجبار الرأي العام العالمي على ابتلاع أكاذيبهم حول دعم حقوق الإنسان وحقوق المرأة وعدم العودة إلى ممارسة الإرهاب ضد الدول الأخرى، خاصة في الغرب، هو خطيئة كبرى، سيدفع الأبرياء، في جميع أنحاء العالم، ثمنها غالياً.


هناك حقيقة لا يغفلها أحد مفادها أن حركة طالبان هي تنظيم إسلامي متطرف، تحت يده معدات عسكرية أمريكية متطورة، في بلد شاسع من حيث المساحة وليس فيه حكومة أو جيش. لهذا يجب ألا نثق في طالبان أو نصدقهم عندما يدعون بوجوههم الغابرة أنهم قد تغيروا أو أصبحوا منفتحين. طالبان اليوم أكثر وحشية وخطورة من طالبان التسعينيات. فقط انتظر حتى تتاح لهم الفرصة لإظهار وجههم الحقيقي. إن إرهاب وقتل المدنيين الأبرياء على أساس الهوية الدينية، وإهانة النساء، واغتصاب الأطفال في زواج القاصرات، وما شابه ذلك من الفظائع اللاإنسانية، ليست سوى جزء صغير من العقيدة الدينية والسياسية التي تتبناها طالبان، ولن يتخلوا عنها أبدًا، مهما أدعوا عكس ذلك. لا تصدقوا طالبان!


اقرأه أيضاً على ليفانت