دوافع وانعكاسات التعديل الوزاري المفاجئ في مصر



يواجه مراقبو مصر صعوبة في فهم الدوافع وراء التعديل الوزاري المفاجئ، الذي أجبر أعضاء البرلمان على قطع عطلتهم السنوية للموافقة عليه في جلسة طارئة مطلع هذا الأسبوع. لكن ربما إلقاء نظرة أعمق على عدد الوزراء الذين تم استبدالهم، وخبرات حاملي الحقائب الوزارية الجدد، يمكن أن يفسر بشكل كبير الاسباب الملّحة التي دفعت الدولة المصرية للتعجيل بتحديث الحكومة ببعض الوجوه الجديدة على الرأي العام، وإن كانوا في أغلبهم هم جزء من المنظومة السياسية القائمة.


علم المصريون بالتعديل الوزاري من منشور للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على صفحته في منصة فيسبوك، حيث كتب أنه استدعى مجلس النواب للانعقاد بشكل عاجل "لمناقشة تعديل عدد من الحقائب الوزارية" بعد التشاور مع رئيس الوزراء. وأوضح السيسي أن الهدف من التغيير هو تحسين أداء الحكومة، وبالتالي "حماية مصالح الدولة وكفاءتها في مواجهة القضايا الداخلية والخارجية".


تعمل حكومة رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بكفاءة ووتيرة مستقرة على الرغم من معاناتها الواضحة لإبقاء المركب طافياً وسط رياح الأزمة الاقتصادية العالمية. تتعامل الحكومة المؤلفة من ٣٣ وزيراً مع عدد لا يحصى من الأزمات المحلية والإقليمية والعالمية التي تهدد الأمن القومي والاستقرار السياسي في مصر، والتي وقعت كلها فوق رأس مصر في وقت واحد تقريباً، والتي تمتد من أزمات الغذاء والطاقة العالمية التي لا يعرف أحد على وجه اليقين متى ستنتهي، إلى أزمة سد النهضة التي تجسد أوج النزاع الدائر منذ سنوات مع أثيوبيا حول حقوق مصر المائية في نهر النيل، والتي تشكل بدورها تهديدًا خطيرًا للأمن المائي والنسق الجغرافي في مصر.


إلى حد ما، يلعب الدعم المقدم من المشروعات الاقتصادية المملوكة للجيش دوراً رئيسياً في الحفاظ على هدوء الشارع، بينما تركز الحكومة على إخراج البلد من هذه الأزمات الطاحنة. لكن رغم ذلك، فإن هذه الآلية غير المرنة لإدارة اقتصاد الدولة لا يمكن أن تستمر لفترة طويلة. عاجلاً وليس آجلاً، يتعين على الحكومة تأمين موارد دخل ثابتة ومستدامة تمكن الدولة من التعافي من الأزمة الحالية ثم تقوية عظامها الاقتصادية في مواجهة اللكمات المستقبلية التي قد تحدث لأسباب متوقعة أو غير متوقعة بفعل عوامل محلية أو عالمية.


قبل بضعة أشهر، أعلن رئيس الوزراء عن خطة طموحة لإصلاح الاقتصاد من شأنها أن تفتح السوق المصري أمام المستثمرين من القطاع الخاص وأصحاب المشروعات الناشئة، بطريقة غير مسبوقة. وتستهدف الحكومة من خلال هذا البرنامج تأمين ما مجموعه ٤٠ مليار دولار من الاستثمارات، يتم ضخها في السوق المصري بانتظام على مدار السنوات الأربع القادمة. لكن، بالطبع، ستستغرق هذه العملية وقتًا طويلاً ومجهودًا كبيرًا حتى تؤتي ثمارها، في الوقت الذي لا تملك فيه الدولة المصرية رفاهية الصبر على انتظار قطاف هذه الثمار.


من ثم، تكون الوسيلة الأسرع، وربما الأسهل، بالنسبة للحكومة المصرية لتأمين ما تحتاجه من أموال بصورة عاجلة، في الوقت الحالي، هي طرق أبواب جيرانها الأثرياء في منطقة الخليج العربي، بالتوازي مع السعي للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي. لقد قامت مصر باتباع خطة مماثلة، عام ٢٠١٦، مما ساهم بشكل كبير في إخراج مصر من أزمة اقتصادية طاحنة وقتها، ومهدت الطريق لإطلاق العديد من المشروعات القومية الكبرى التي تتيه القيادة المصرية فخراً بها الآن. حالياً، نجحت حملة مصر لتأمين أموال عاجلة على المستوى الإقليمي فقط، في حين تعاني من بطء نسبي على المستوى الدولي.


خلال الأشهر الثلاثة الماضية، نجحت مصر في توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع دول الخليج العربي بشأن استثمارات ضخمة في السوق المصري، حيث تعهدت السعودية، وقطر، والإمارات، والبحرين بضخ عشرات المليارات من الدولارات في استثمارات قصيرة ومتوسطة الأجل بهدف تأمين السوق المصرية طوال فترة الأزمة، كما قاموا بوضع ودائع سخية تقدر بمليارات الدولارات لدى البنك المركزي المصري لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ومنع انهيار الجنيه أمام الدولار.


لكن في المقابل، لا يزال صندوق النقد الدولي يضغط على مصر في المفاوضات المتعلقة بحصولها على قرض جديد بغرض تخفيف آثار الحرب بين روسيا وأوكرانيا على الاقتصاد المصري. بحسب وزير المالية المصري، الذي لم يتم تغييره ضمن التعديل الوزاري الأخير، هناك تضارب في الرؤى بين صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية بشأن وتيرة ومنهجية الإصلاحات الهيكلية والمالية المطلوبة. أصدر المجلس التنفيذي في صندوق النقد الدولي، في أواخر شهر يوليو، تقرير تقييمي بشأن أداء الدولة المصرية مع القروض السابقة، وطلب فيه بوضوح من الحكومة المصرية احراز "تقدم حاسم في الإصلاحات الهيكلية العميقة اللازمة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، وتحسين الحوكمة، وتعزيز مرونة الاقتصاد ضد الصدمات". يربط صندوق النقد الدولي الإفراج عن القرض لصالح مصر، والذي سيكون القرض الثالث الممنوح لمصر في السنوات الست الماضية، بإنجاز كل هذه الإصلاحات في أسرع وقت ممكن.


وهذا يفسر سبب اضطرار القيادة المصرية لإجراء هذا التعديل الوزاري العاجل الذي استبدل ٤٠٪ (١٣ وزيرًا) من حكومة مدبولي، وربما يتضح الأمر أكثر لو نظرنا بشكل أعمق على التغييرات التي حدثت - أو لم تحدث - في الوزارات ذات الحقائب الاقتصادية. أولاً، فقد بقي وزيرا المالية والتخطيط في مناصبهما، رغم اخطائهم الواضحة، سيما وزير المالية، في الفترة الماضية. لكن يبدو أن القيادة السياسية قد فضلت الإبقاء عليهما نظراً للدور المحوري الذي يقوم به كل منهما في إدارة المحادثات والتواصل مع الممولين والمقرضين الأجانب، سواء كانوا من دول الخليج أو من صندوق النقد الدولي أو غيرها، وبالتالي قد يتسبب استبدالهم في التأثير على مجرى هذه المفاوضات أو يعطي انطباعاً سلبياً لدى الممولين الحاليين أو المستهدفين، أو على أقل تقدير المخاطرة بإعادة بدأ المحادثات ككل من جديد بواسطة وزير جديد لم يكن مرتبطاً بالملف طيلة السنوات الماضية.


في الوقت نفسه، تم تغيير ثلاثة من وزراء المجموعة الاقتصادية، وهم الوزارات التي يهتم صندوق النقد الدولي بإحداث إصلاحات فيهم بشكل خاص، وهم: وزارة قطاع الأعمال العام، وزارة التجارة والصناعة، وزارة الإنتاج الحربي. إن جلب وجوه جديدة من التكنوقراط، الذين يتمتعون بخبرة اقتصادية قوية وليس لديهم تحيزات سياسية حادة، لقيادة هذه الوزارات الثلاث هو رسالة موجهة لصندوق النقد الدولي مفادها أن مصر حريصة على متابعة الإصلاحات الهيكلية والاقتصادية على النحو المطلوب.


كما كان من الغريب والمحير أيضاً، تعيين خبير مصرفي كبير في منصب وزير السياحة فقد كان وزير السياحة الجديد يشغل منصبًا تنفيذيًا في أحد أكثر البنوك الخاصة نجاحًا في مصر، وهو البنك التجاري الدولي مصر (CIB). جدير بالذكر أن البنك التجاري الدولي كان أحد أبرز المؤسسات التي اختارها صندوق أبو ظبي السيادي للاستثمار فيها، ضمن عدد أخر من المؤسسات المالية المصرية، في صفقة الـ ٢٠ مليار دولار التي أبرمتها الإمارات مع مصر قبل شهرين.


أما التغييرات التي تمت على الوزارات الأخرى، من خارج الحقائب الاقتصادية، فقد كانت إلى حد ما ثانوية أو سهل توقعها. أعني بوصفها ثانوية أنه بالكاد تم ترقية مساعد أو مستشار الوزير المُقال ليصبح وزيراً جديداً، مما يعني أنه لا يُتوقع حدوث تغييرات كبيرة في السياسة التي تنتهجها هذه الوزارات في المستقبل بالمقارنة بالسنوات السابقة، وقد حدث ذلك في وزارات التعليم والري والثقافة والتنمية المحلية. في حين كان من المتوقع بالفعل أن يتم تغيير وزراء الصحة والهجرة نظراً لتعطلهما عن العمل في الأشهر الماضية بسبب تعقيدات شخصية نالت إلى حد كبير من سمعتهما وإنتاجيتهما.


باختصار، كان هذا التعديل الوزاري العاجل ضروريًا لتسريع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وبالتالي مساعدة الحكومة المصرية على الخروج من الأزمات الحالية. مع ذلك، علينا أن ننتظر ونرى ما إذا كان الوزراء الجدد، خاصةً أولئك الذين تولوا حقائب اقتصادية، يمكنهم أن ينجحوا في إعانة الدولة على تحقيق هذا الهدف الصعب.


اقرأه أيضاً على ليفانت