أردوغان يقابل الناتو



تلفت أنظار العالم إلى قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) المقرر عقدها هذا الأسبوع، في بروكسل، يوم ١٤ يونيو، بحضور رؤساء الثلاثين دول الأعضاء في الحلف، لمناقشة مستقبل تحالفهم القائم منذ ٧٢ عاماً، والدور الذي يمكن أن يقدموه لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.


وفقًا لتصريحات رسمية أدلى بها الأمين العام لحلف الناتو، يوم ١١ يونيو، سوف يشمل جدول أعمال القمة، التي تستغرق يومًا واحدًا، مناقشة سبل تعزيز عمليات الدفاع الجماعي، وتطوير سياسة جديدة للدفاع السيبراني (الأليكتروني) على شبكة الانترنت، بالإضافة إلى مناقشة التهديدات المشتركة التي تشكلها روسيا والصين على دول التحالف، وتأثير الدول الأعضاء في الناتو، بصفة فردية أو جماعية، على الصراعات المسلحة الجارية في أماكن مختلفة من العالم.


لكن، ربما، فإن أهم ما في هذه القمة، التي تنعقد في وقت حساس سياسياً للغاية، هو الاجتماعات الجانبية بين رؤساء الدول الأعضاء. ستكون هذه القمة هي المرة الأولى التي يلتقي فيها معظم هؤلاء القادة وجهًا لوجه، بعد ما يقارب العامين على انتشار وباء كورونا وما ترتب عليه من معاناة اقتصادية واهتزازات سياسية لم تسلم منها أي دولة. كما ستكون هذه القمة أيضًا هي المرة الأولى التي يحضر فيها جوزيف بايدن بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. تتزايد الآمال في أن يتمكن بايدن من إعادة التحالف إلى نقطة تعقٌل، وإنهاء التوترات والخلافات التي نشأت بين حلفاء الناتو، نتيجة تصرفات الرئيس الأمريكي السابق ترامب وقراراته المتهورة.


شهدت الذكرى السبعون لتأسيس الناتو، في عام ٢٠١٩، سلسلة من التصريحات النارية المشككة في جدوى استمرار منظمة الناتو، بشكل هدد تماسك الحلف نفسه. من ناحية، هدد الرئيس الأمريكي السابق ترامب بسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو، اعتقادًا منه أن التحالف العسكري مع أوروبا هو استنزاف مالي غير ذات فائدة بالنسبة للولايات المتحدة. لقد حاول الضغط على الحلفاء الآخرين، خاصة في أوروبا، لرفع مساهماتهم في الإنفاق التشغيلي والعسكري لحلف الناتو. من ناحية أخرى، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حلف الناتو بأنه يعاني من حالة "شلل دماغي" وقال في تصريحات مثيرة للجدل أنه لم يعد بإمكان أوروبا الاستمرار في "الاعتماد على أمريكا في الدفاع عن حلفاء الناتو الأوروبيين".


بعد ذلك ببضعة أشهر، في صيف ٢٠٢٠، اندلع صراع، أشبه بمعركة حربية، في شرق البحر المتوسط بين دولتين جارتين وحليفتين في الناتو، هما تركيا واليونان. فتح الصراع المتوسطي الباب أمام تدخلات عسكرية غير مرغوب فيها من قبل دول إقليمية وأخرى غير ذات صلة بالإقليم. وقد أدت التوترات الساخنة، التي استمرت نحو خمسة أشهر، في عرض البحر المتوسط، إلى اشتباكات كلامية وتهديدات غير مسبوقة بين الرئيسين الفرنسي والتركي. وقاد ماكرون حملة، مع قادة أوروبيين آخرين، دعا فيها إلى طرد تركيا من حلف الناتو، كما ضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل فرض عقوبات اقتصادية على تركيا. ولكن في نهاية العراك، لم يحدث أياً من ذلك، فلم يجرؤ الاتحاد الأوروبي على معاقبة تركيا، ولم يجرؤ الناتو على التخلص من تركيا.


لا تقتصر التوترات بين تركيا وحلف الناتو على الحلفاء الأوروبيين فقط، بل شملت أيضًا مواجهات حادة مع الولايات المتحدة، أهم أعضاء الحلف. قبل أسابيع قليلة من مغادرة ترامب لمنصبه، أعلنت الخارجية الأمريكية، يوم ١٤ ديسمبر، فرض عقوبات عسكرية ودبلوماسية على العمليات الصناعية العسكرية التركية والأفراد القائمين عليها، بما في ذلك وزير الصناعات الدفاعية التركي بصفته. والسبب هو شراء تركيا لأنظمة الدفاع الصاروخي "اس-٤٠٠" من روسيا، في عام ٢٠١٨، وهو الأمر الذي اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لها وتهديداً لحلف الناتو. ردًا على القرار الأمريكي، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إن "الولايات المتحدة لم تفرض عقوبات على تركيا فحسب، بل إنها بمعاقبة تركيا، تكون قد فرضت عقوبات على حلف الناتو نفسه، حيث ستؤثر هذه العقوبات على عملنا كفريق واحد". لكن لم يتغير الأمر كثيراً عندما تولى بايدن مكان ترامب، فبعد شهر واحد من تولي بايدن منصبه، في منتصف فبراير، أصدر البنتاغون قراراً باستبعاد تركيا بشكل نهائي من برنامج تصنيع مقاتلات "أف-٣٥"، لنفس السبب الخاص بشراء تركيا معدات حربية متطورة من روسيا.


عندما يلتقي أردوغان مع حلف الناتو، هذا الأسبوع، ستكون المواجهة صعبة، لا شك. فقد وصف بعض المحللين الأوروبيين والأمريكيين تركيا بأنها "كالفيل الرابض داخل غرفة الناتو"، في تلميح إلى أن تركيا تمثل عائق ثقيل يجب على الحلف أن يتخلص منه، حتى يستطيع أن يواصل عمله. لكن الحقائق على الأرض والوقائع التي يعيشها العالم تقول خلاف ذلك. فعلى الرغم من عدم توقف الرئيس التركي عن اتخاذ قرارات خاطئة ومضرة للكثير من دول التحالف، إلا أن النمو والتوسع غير المسبوق للجيش التركي، تحت قيادة خلوصي أكار، جعلت من المستحيل على حلف الناتو التفكير في الاستغناء عن تركيا.


على هامش القمة، من المقرر أن يلتقي الرئيس التركي أردوغان، على انفراد، مع كل من الرئيس الفرنسي ماكرون، والرئيس الأمريكي بايدن، في اجتماعين منفصلين. سيكون من المثير للاهتمام مشاهدة ما إذا كان أردوغان، في غضون ساعات قليلة أثناء اجتماعه بكل منهما، سيتمكن من إصلاح الفوضى السياسية التي أضرت علاقات تركيا مع اهم الدول في الناتو، على مدى ثلاث سنوات مضت، ومن ثم تخليص بلاده وشعبه من الضغوط الخارجية التي أضرت بهم كثيراً.


اقرأه أيضاً على تركيا الآن