بعد جولة الشرق الأوسط، كيف سيتعامل بايدن مع الإسلاميين؟



بعد جولة ناجحة في الشرق الأوسط، خضع الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن، للحجر الصحي لمدة خمسة أيام للتعامل مع عدوى كوفيد. لحسن الحظ، فقد تعافى سريعاً وهو جاهز الآن لمواصلة العمل على الملفات الكثيرة والمعقدة التي يزدحم بها مكتبه. لكن، قد يحتاج الرئيس بايدن إلى التعامل أولاً مع تداعيات موجة الغضب العارم التي اجتاحت وسائل الإعلام المؤيدة لليسار المتطرف في أمريكا، بشأن زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية ولقائه ببعض القادة العرب. يحتاج بايدن لعمل ذلك حتى يضمن أداء أفضل لمرشحي حزبه الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقرر إجراؤها في نوفمبر، حيث يمثل النشطاء المنتمون لليسار المتطرف غالبية الكتلة الانتخابية المؤيدة لبايدن وكانت سبباً في فوزه بالانتخابات الرئاسية قبل عامين، من ثم فإن رضاهم عن أداء الإدارة هو أمر حاسم.


وهنا يأتي سؤال مهم حول الأسباب الحقيقية وراء استياء اليسار المتطرف المبالغ فيه من تواصل بايدن مع القادة العرب. أخذت منصاتهم الإعلامية توبخ بايدن على ابتسامه مع ولي العهد السعودي وعلى وصفه الرئيس المصري بأنه "صديق غالي" أثناء اجتماعاته الفردية مع كل منهما في جدة، في منتصف شهر يوليو. السبب المعلن، كما يروجون، هو أن هاتين الدولتين لا تحترم قيم حقوق الإنسان والديمقراطية، لكن بالتأكيد ليس هذ هو السبب الوحيد وراء غضب اليسار المتطرف. السبب غير المعلن له علاقة كبيرة بالتأثير المتزايد لجماعات الإسلام السياسي داخل أمريكا على حركة اليسار المتطرف، التي لمع نجمها بقوة في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة.


لم نر، على سبيل المثال، وسائل الإعلام الأمريكية الموالية لليسار تنتقد تواصل إدارة بايدن مع قادة دول عربية أخرى، مثل قطر، رغم أن نظام الحكم فيها غير ديمقراطي واهتمام الدولة بحقوق الإنسان محدود للغاية. على العكس من حالة الغضب التي رأيناها الأيام الماضية بسبب انفتاح بايدن على التعامل مع مصر والسعودية، والتي وصلت إلى حد وصف موقف بايدن بالخيانة، عندما زار الأمير القطري واشنطن في أواخر شهر يناير، احتفلت المنصات الإعلامية ذاتها بالزيارة وبلقاء بايدن وتميم أيما احتفال. لكن يبدو أن رادار اليسار في أمريكا لا يعمل إلا عندما يتعلق الأمر بثلاثة قادة عرب تحديداً، هم: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإماراتي محمد بن زايد.


لماذا هؤلاء القادة العرب الثلاثة على وجه الخصوص؟ لأنهم كانوا الأكثر نشاطا في مطاردة وتحطيم جماعة الإخوان المسلمين. بعد سقوط نظام الإخوان في مصر في عام ٢٠١٣، هرب العديد من الأعضاء والمتعاطفين مع جماعة الإسلام السياسي الأكثر شهرة وانتشاراً إلى الولايات المتحدة. هناك، استقبلتهم المنظمات الإسلامية والنشطاء العاملين فيها وساعدوهم على التواصل مع الجماعات المؤيدة للديمقراطية للضغط من أجل معاقبة الأنظمة الحاكمة في مصر والسعودية والإمارات، تحت ادعاء انتهاكهم لحقوق الإنسان وتعمدهم هدم الأنظمة الديمقراطية الناشئة في المنطقة عقب ثورات الربيع العربي.


ثم لاحقاً، تحت الضغوط الناتجة عن سوء تعامل إدارة ترامب السابقة مع ملف الحريات الفردية وحقوق الأقليات، خاصة الأقلية المسلمة والمهاجرين، انتهز عناصر الإخوان الفرصة للاندماج في حركة اليسار المتطرف الأمريكية التي كانت تصعد بسرعة وقتها كرد فعل على تطرف إدارة ترامب. لعبت جمعيات الطلاب المسلمين والنشطاء المسلمين الشباب دورًا مهمًا في عملية التداخل هذه، حيث أن غالبية الشباب المسلمين في أمريكا هم من الجيلين الثاني والثالث لعائلات مهاجرة، ولدوا ونشأوا في الولايات المتحدة، ويعتبرونها بلدها الأم، إلا أنهم في نفس الوقت نشيطون للغاية في مجتمعاتهم العرقية، ولديهم القدرة على إظهار قدر أكبر من التسامح، مقارنةً بأبائهم، تجاه القضايا المثيرة للجدل المتعلقة بالحرية الفردية التي يتبناها اليسار المتطرف.


منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، ازداد نفوذ الإسلاميين داخل حركة اليسار الأمريكي بشكل ملحوظ، حتى أصبح لديهم القدرة على توجيه الحركة والاستفادة من قوتها الانتخابية في الانتقام من قادة مصر والسعودية والإمارات، من خلال الضغط على الإدارة الأمريكية للعمل ضد مصالحهم. منذ الأيام الأولى في حملة بايدن الانتخابية، مارس اليسار المتطرف، الذي تغلغل الإسلاميون في أعماقه، ضغوطًا واضحة لدفع الإدارة الأمريكية الجديدة لتجاهل هؤلاء القادة العرب الثلاثة تحديداً. بل إنهم حاولوا دفع الرئيس بايدن لمقاطعتهم ومعاقبتهم تحت راية الدفاع عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط. لكن بعد ثمانية عشر شهرًا من التردد أمام أحداث إقليمية وعالمية جسام، أدركت القيادة الأمريكية أن نجاحها الخارجي والمحلي يعتمد بشكل كبير على المشاركة الإيجابية من قبل القادة السياسيين في منطقة الشرق الأوسط.


أخيرًا، قرر الرئيس الأمريكي بايدن وفريقه التخلص من هذا النهج غير المربح تجاه العرب، وخاصة المملكة العربية السعودية ومصر، للتركيز بدلاً من ذلك على التعاون المثمر لتحقيق الصالح لجميع الأطراف. في مقال رأي، أوضح الرئيس بايدن: "بصفتي رئيسًا، فإن وظيفتي هي الحفاظ على بلدنا قويًا وآمنًا ... للقيام بذلك، يتعين علينا التعامل مباشرة مع البلدان التي يمكن أن تؤثر على تلك النتائج. المملكة العربية السعودية واحدة منهم، وعندما ألتقي بالقادة السعوديين يوم الجمعة، سيكون هدفي هو تعزيز شراكة استراتيجية للمضي قدمًا تستند إلى المصالح والمسؤوليات المشتركة، مع التمسك أيضًا بالقيم الأمريكية الأساسية".


إن قرار الرئيس الأمريكي العودة للعمل مع القادة العرب، وليس ضدهم، هو قرار حكيم وسليم. العالم يتغير ولا يمكن للولايات المتحدة أن تظل على القمة، باعتبارها القوة العظمى الأكثر نفوذاً، إذا اختارت تجاهل أو تهميش منطقة مهمة مثل الشرق الأوسط. لابد أن يتوقع بايدن موجات عاتية من الانتقادات في كل مرة يتعامل فيها مع أحد القادة العرب الثلاثة المذكورين أعلاه، في العامين المقبلين من ولايته الأولى. لكن يتعين عليه التأكد من عدم السماح للإسلاميين بإملاء مستقبل أمريكا، ولو حتى بشكل غير مباشر، من خلال تدخلاتهم المخادعة للتأثير على حركة اليسار المتطرف الأمريكية ذات القوة الانتخابية الأكبر في الوقت الحالي.


اقرأه أيضاً على ليفانت