معضلة خلوصي آكار في ليبيا



منذ بداية العام الجديد، انشغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية بالسخونة المتزايدة للأحداث السياسية داخل تركيا، استعدادًا للانتخابات الرئاسية المقبلة. وفقًا لاستطلاعات الرأي التي نُشرت في الأشهر القليلة الماضية، فإن شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية آخذة في التآكل، بسبب استمرار الفشل الاقتصادي، الذي حاول أردوغان إصلاحه من خلال تقديم صهره ووزير المالية السابق بيرات البيرق، في نوفمبر الماضي، كبش فداء. كما دعا بعض قادة المعارضة السياسية إلى عقد انتخابات مبكرة، لكن أردوغان أكد في تصريحات مصورة، في يناير، أن هذا أمر غير مرجح وأن الانتخابات ستجرى في موعدها المقرر عام ٢٠٢٣. وهذا الأسبوع، بدأ أردوغان حملة إعلامية لإعداد الرأي العام في تركيا لتعديل الدستور، في خطوة يعتقد كثير من المراقبين أنها تهدف إلى تعزيز سلطاته وضمان فوزه في الانتخابات المقبلة.


في غضون ذلك، كان وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، يحقق بلا هوادة نجاحًا تلو الآخر في مساعيه لتوسيع نفوذ تركيا العسكري والدبلوماسي خارج حدودها، لا سيما في مناطق أوراسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. طالما اعتمدت تركيا على القوة العسكرية في إدارة ملفاتها الخارجية، وكان ذلك دائماً أحد العيوب الكبيرة التي أدت لفشل تركيا في أكثر من ملف على مدار تاريخها، حتى تولى خلوصي أكار وزارة الدفاع في يوليو ٢٠١٨، وحول هذا العيب إلى ميزة، معتمداً على حنكته السياسية ومهاراته الدبلوماسية، إلى جانب خبرته العسكرية والأكاديمية الطويلة، مما ساعد في تعزيز مكانة بلاده كمنافس للقوى العظمى مثل روسيا والولايات المتحدة في مناطق أوراسيا والشرق الأوسط. وربما هذا يجعلنا لا نستغرب ما زعمه أحد الصحفيين الأتراك مؤخرًا عن أن الذئب العجوز دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، يضغط بشدة من أجل تعيين خلوصي أكار في منصب نائب رئيس الدولة.


بالنسبة إلى خلوصي أكار، فقد كانت إدارته للتدخل التركي في ليبيا نقطة محورية في قصة نجاحه تلك، حيث أعطى التدخل العسكري التركي في ليبيا نفوذًا دبلوماسيًا لتركيا في أزمة شرق البحر المتوسط وعزز وجودها في إفريقيا. بدأ تدخل تركيا في ليبيا، أواخر عام ٢٠١٩، كاستجابة دبلوماسية لطلبات من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ولكن سريعاً تحول تدخل تركيا في ليبيا إلى ما يشبه الاحتلال عسكري، وأصبح خلوصي أكار هو القائد الفعلي للجيش الذي صنعه على يديه لخدمة حكومة الوفاق الوطني، وأكتسب من خلال ذلك تأثير كبير على صانعي القرار داخل حكومة الوفاق الوطني.


في ديسمبر ٢٠١٩، وقعت تركيا اتفاقيتين مع حكومة الوفاق. الأولى كانت اتفاقية ترسيم بحري تحدد منطقة اقتصادية خالصة في البحر المتوسط تمتد من جنوب غرب تركيا إلى شمال شرق ليبيا. وعلى الرغم من أن الاتفاقية تتناقض مع ما هو منصوص عليه في اتفاقيات الأمم المتحدة والقوانين الدولية ذات الصلة، استطاعت تركيا استخدام هذه الاتفاقية بنجاح في الالتفاف حول نزاعها القائم منذ عقود مع اليونان حول حقوقها في الاستفادة من موارد قاع البحر، مما حول شرق المتوسط إلى قطعة من الجحيم، الصيف الماضي، حيث وفدت إليه السفن الحربية والفرقاطات العسكرية من جميع أنحاء العالم للمشاركة في المأساة تحت ستار إجراء تدريبات بحرية عسكرية، وتسبب ذلك في تهديد أمن المنطقة بالكامل.


أما الاتفاقية الثانية، التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبي في نفس التوقيت تقريبًا، هي اتفاقية تدريب ودعم واستشارات عسكرية. وبناءً على هذا الاتفاق العسكري، نشرت تركيا قوات ومعدات عسكرية في ليبيا وقامت وما زالت بتدريب ميليشيا حكومة الوفاق الوطني في الكليات العسكرية التركية. في شهر ديسمبر، صرح خلوصي أكار أن "حوالي ثلاثة آلاف ليبي تلقوا التدريب على يد القوات التركية" كجزء من هذه الاتفاقية. وتذكرنا هذه الاتفاقية العسكرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية بالاتفاقية التي وقعتها تركيا مع أذربيجان في التسعينيات، والتي مكنت تركيا من بناء جيش أذربيجاني قوي، من الصفر تقريبًا، وأصبح هذا الجيش اليوم موالٍ تمامًا لتركيا، وقد عزز الانتصار الأخير للجيش الأذربيجاني في الحرب مع أرمينيا، نفوذ تركيا على منطقة القوقاز وأوراسيا بأكملها.


لا شك أن استجابة تركيا لحكومة الوفاق الوطني، في ذلك الوقت، حالت دون حدوث أزمة إنسانية محتمة، من خلال رفع تكلفة الحرب الأهلية المرتقبة آنذاك بين حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي، الذي يسيطر على المناطق الشرقية من ليبيا، وتدعمه مصر والإمارات وفرنسا وروسيا. ومع ذلك، فإن استمرار الوجود العسكري التركي في ليبيا أصبح تهديدًا خطيرًا لمساعي بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لإعادة الدولة التي مزقتها الحرب إلى حالة من الأمن والاستقرار على أساس حل سياسي. إن التطورات الإيجابية الأخيرة على الساحة السياسية الليبية، نتيجة للجهود المخلصة من قبل ستيفاني ويليامز، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، تخاطر بهدر كل جهود خلوصي أكار السابقة.


في الأسبوع الأول للإدارة الأمريكية الجديدة لجوزيف بايدن، الذي لا يخفي عداوته لنظام أردوغان، دعا ريتشارد ميلز، رئيس البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، كل من "روسيا وتركيا والإمارات" إلى احترام السيادة الليبية والتوقف عن التدخل في شئون ليبيا وسحب كل القوات العسكرية الأجنبية من على أراضيها." حيث أنه وفقًا لاتفاقية وقف إطلاق النار التي أشرفت عليها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الموقعة في شهر أكتوبر، كان من المفترض أن تغادر ليبيا جميع القوات الأجنبية وميليشيات المرتزقة التابعة لهم، قبل تاريخ ٢٣ يناير، لكن لم تختر أي من القوى الأجنبية المذكورة، بما في ذلك تركيا، مغادرة ليبيا في الموعد المحدد.


وفي شهر ديسمبر، وافق البرلمان التركي على تمديد الوجود العسكري في ليبيا لمدة ١٨ أشهر قادمة. على مدار العام الماضي فقط، تجاوز عدد العسكريين الأتراك المبعوثين إلى ليبيا أكثر من ثلاثة آلاف ضابط وخبير عسكري، مهمتهم قيادة المليشيات التابعة لحكومة الوفاق الوطني والمرتزقة الذين جندتهم تركيا، ويصل عددهم إلى أكثر من ١٨ ألف مرتزق، أغلبهم سوريين، وفقاً لبيانات صادرة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهذا رقم ضخم إذا ما قورن بمرتزقة روسيا البالغ عددهم نحو ألفين مقاتل، ضمن مجموعة فاغنر. كما استولت تركيا على قاعدة الوطية الجوية، غرب ليبيا، واستخدمتها كقاعدة عسكرية تابعة لها، تستخدمها لنقل الأسلحة والذخائر بشكل غير شرعي لتعزيز قدرات الجيش الجديد لحكومة الوفاق.


أثار إعلان تركيا عن تمديد وجودها العسكري في ليبيا غضب الجيش الوطني الليبي وأنصاره في داخل ليبيا وخارجها. ومن ثم نشر الجيش الوطني الليبي، في ٢٤ ديسمبر، تسجيل فيديو لقائد الجيش المشير خليفة حفتر يتعهد فيه بالانتقام من القوات التركية التي تحتل بلاده، قائلاً إن "المواجهة العسكرية مع تركيا باتت حتمية لتحرير ليبيا من الاحتلال والمرتزقة." ويبدو أن كلماته لقيت أصداء مدوية في أنقرة.


بعد تهديدات حفتر بيوم واحد، قام وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ووفد من كبار الجنرالات في الجيش التركي بعمل زيارة مفاجئة إلى حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وكان برفقتهم فنانين وإعلاميين، حيث أقاموا حفلة غنائية للضباط الأتراك المقيمين في طرابلس، وتحدث خلوصي أكار في الحفلة، ردًا على تهديدات حفتر الذي وصفه بالقاتل والانقلابي، حيث قال آكار "إذا حاول القاتل حفتر مهاجمة العناصر التركية، فسيُنظر إلى الجيش الوطني الليبي والميليشيات الداعمة له، في كل مكان، على أنهما هدف مشروع للجيش التركي".


وفي مقابلة مصورة مع منصة إعلامية على الإنترنت تابعة لقوات عملية بركان الغضب، وهي ميليشيا تقودها حكومة الوفاق الوطني، وسع خلوصي أكار دائرة تهديداته لتشمل القوى الأجنبية الداعمة للجيش الوطني الليبي. وقال خلوصي أكار بحزم شديد: "نحن نعلم أن حفتر ليس وحده وأن من ورائه يحاولون القيام بعمل يتجاوز حجمهم وقدرتهم. سيحصل حفتر على الرد المناسب عندما يحين الوقت المناسب. وسنواصل دعمنا لحكومة الوفاق الوطني". ولعلنا نذكر أنه في أخر مرة قال فيها خلوصي أكار تصريحات مماثلة على قناة الجزيرة القطرية، في شهر أغسطس، تبع ذلك حالة تشبه الحرب بينه وبين الإمارات وفرنسا في شرق المتوسط.


من الواضح أن هدف خلوصي أكار من هذه الزيارة المفاجئة هو أن يُظهر لجنوده، وللعالم، أن تركيا تسيطر بقوة على الأمور في ليبيا، ولكن في الواقع، جاءت هذه الزيارة بقدر من المبالغة جعلها ترتد على خلوصي أكار وصورته وسمعته بنتائج عكسية، حيث لم يكن الرد على تهديدات حفتر تتطلب من كبار الجنرالات في الجيش التركي، المصنف كأقوى جيش في الشرق الأوسط، السفر كل هذه المسافة من أنقرة إلى طرابلس، وإقامة حفلة للجنود، وإلقاء الخطب النارية. إن الطريقة التي قدم بها خلوصي أكار نفسه قد وضعته، وهو من هو، في نفس حجم وإطار المشير حفتر، وأظهرت للعالم مدى خوف تركيا وضعفها وشعورها بالوحدة داخل ليبيا.


في اليوم التالي مباشرة لزيارة خلوصي أكار المفاجئة إلى ليبيا، سافر وفد مصري من مسؤولين بجهاز المخابرات المصري إلى طرابلس، للقاء قادة حكومة الوفاق الوطني، لأول مرة. فمنذ بداية الصراع في ليبيا، كانت مصر تقف إلى جانب الجيش الوطني الليبي. وفي بداية التدخل التركي في ليبيا، وضعت مصر خطاً أحمر لتركيا لحماية الأراضي الشرقية التي يسيطر عليها حفتر، والتي تمثل العمق الاستراتيجي الغربي للأمن القومي المصري. وقد احترمت تركيا هذه الخطوط الحمراء، لتجنب المواجهة غير الضرورية مع مصر. إلا أن استمرار الوجود العسكري التركي غير القانوني في ليبيا كان وما زال يشكل تهديدًا بالنسبة لمصر. لذلك، بعد تهديدات حفتر وردود خلوصي أكار النارية، قررت مصر فتح قنوات اتصال مع حكومة الوفاق الوطني للتخفيف من نفوذ تركيا هناك.


إلا أنه فوق كل ذلك، فإن الصدمة الأكبر والتي هزت عرش خلوصي أكار في ليبيا وقعت في ٢٦ يناير، عندما قضت الدائرة الإدارية لمحكمة البيضاء، في ليبيا، بعدم قانونية الاتفاقيتين البحرية والعسكرية بين ليبيا وتركيا، واعتبرتهما انتهاك لسيادة ليبيا، بما يتفق تماماً مع الحجج التي سبق قدمها البرلمان الليبي لتبرير رفضه التصديق على تلك الاتفاقات. وبناءً عليه، فإن جميع القرارات التي سبق واتخذها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، اعتماداً على هذه الاتفاقيات، قد أصبحت قرارات باطلة. وهذا يعني أن الوجود العسكري التركي في ليبيا أصبح رسميًا أمر غير قانوني، كما أن أنشطة تركيا البحثية في المنطقة الاقتصادية الخالصة المزعومة المنصوص عليها في اتفاقيتها البحرية مع ليبيا، قد أصبحت غير قانونية أيضًا، خصوصاً أن حكومة الوفاق الوطني، على الرغم من أنها تحظى باعتراف الأمم المتحدة، إلا أنها حكومة انتقالية مؤقتة ليس من صلاحياتها توقيع اتفاقيات أو تقديم التزامات طويلة الأجل مع دول أخرى.


في خضم تلك الأحداث، أعلنت ستيفاني ويليامز، نائب رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، عن إجراء انتخابات عامة في ليبيا لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة تجمع كل الليبيين من الشرق والغرب معًا. وفي مطلع فبراير، تم الإعلان عن المرشحين للمناصب الحكومية العليا واستؤنفت الانتخابات بنجاح، رغم الضغوط الخارجية وأعمال الشغب المستمرة من قبل الميليشيات، على تنوع انتماءاتها، ضد رئاسة حكومة الوفاق الوطني وضد بعضها البعض. على سبيل المثال، أصدرت غرفة عمليات سرت الجفرة، وهي مليشيا تابعة لحكومة الوفاق الوطني، بيانًا مصورًا، في ٢٤ يناير، يحتجون فيه على تأخير رواتبهم ويهددون باقتحام مقر المجلس الرئاسي في طرابلس إذا لم يتم دفع مستحقاتهم في غضون أيام. إن هذا الصراع المتنامي بين الميليشيات لا يضر فقط بحكومة الوفاق الوطني فحسب، بل إنه يهدد أيضًا سلامة القوات العسكرية التركية والمرتزقة التابعين لتركيا، إذا ما أزداد الوضع سوءاً وخرجت الأمور عن السيطرة، وهو أمر وارد في أي لحظة.


في عدة مناسبات، أشار خلوصي أكار إلى أن تركيا أيضًا تدعم الحل السياسي في ليبيا. لكنه، على الأرض، لا يزال يعتمد بشدة على استخدام القوة العسكرية في إدارة علاقة بلاده مع حكومة الوفاق الوطني والمنافسين الآخرين؛ مثل روسيا وفرنسا والإمارات. والآن، بينما تستعد حكومة الوفاق الوطني للمغادرة وتستعد حكومة وحدة وطنية جديدة لتولي زمام الأمور، أصبح خلوصي أكار بحاجة إلى إعادة تشكيل سياسة تركيا في ليبيا، وفقًا لما يستجد، إذا كان لا يزال مهتمًا بالحفاظ على مكان لتركيا هناك. إذ يجب أن يتوقف خلوصي أكار عن لعب دور الحاكم العسكري لليبيا، وإعادة تقديم بلاده كحليف دبلوماسي للشعب الليبي وحكومته الجديد. فعلى الرغم من أن استخدام خلوصي أكار الذكي للدبلوماسية العسكرية قد أفاد تركيا كثيرًا في بداية تدخلها في ليبيا، قبل نحو عام ونصف، إلا أن الاستمرار في استخدام هذه السياسة الآن يضع جهود خلوصي أكار السابقة وطموحاته القادمة بشأن ليبيا على حافة الهاوية.