• داليا زيادة

السبب الحقيقي وراء تراجع العالم عن الاهتمام بـ حقوق الإنسان


يشهد العالم تراجعاً ملحوظاً، وغير مسبوق، في الاهتمام بحقوق الإنسان كقيمة إنسانية سامية، فالمجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع حقوق الإنسان كأولوية تؤخذ على أساسها القرارات التي تحدد مصير سكان الأرض مثلما كان الحال منذ إنشاء الأمم المتحدة قبل أكثر من نصف قرن، وأصبح الحديث عن حقوق الإنسان أمراً غير مستحب، بل منبوذاً، داخل كثير من الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية التي كانت في الماضي تنتخب قادتها بناءاً على سابق تاريخهم في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان. يبرر البعض هذا التراجع بالتفات أنظار المجتمع الدولي وطاقاته إلى مواجهة التهديد الذي فرضته آلة الإرهاب غرباً وشرقاً، لكن لا يمكن التسليم بهذا الطرح لأن الإرهاب الذي نشهده الآن ليس أمراً جديداً على العالم، فقد كانت فلول القاعدة تعيث فساداً في الأرض، وكانت الحرب العالمية على القاعدة في أشدها مطلع الألفية، دون أن يؤثر ذلك على اهتمام الشعوب والدول بحقوق الإنسان والسعي إليها والتمسك بها. لهذا فإني أعتقد تماماً أن السبب الحقيقي في هذا السقوط المدوي لحقوق الإنسان في السنوات الأخيرة، يتمثل فيما أقترفه بعض العاملين في هذا المجال من آثام جعل عموم الناس تكفر، علناً أو خفيةً، بحقوق الإنسان والمبادئ والقيم العظيمة التي تحملها وكانت سبباً في استعادة الأمن والسلم بعد عقود من حروب عالمية راح ضحيتها ملايين البشر، وتدمرت على إثرها أمم وحضارات. ومن تلك الآثام، بل أعظمها، هو تخفي بعض المنظمات الحقوقية الدولية وراء ستار الدفاع عن حقوق الإنسان لخدمة أجندات سياسية لدول بعينها، فقد رأينا على مدار السنوات القليلة الماضية كيف أدارت أموال تركيا وقطر منظمتين بحجم وتاريخ منظمة "هيومان رايتس ووتش" ومنظمة "العفو الدولية" لضرب مصالح مصر الاقتصادية وعزلها سياسياً، مستخدمين سلاح الإدعاء زوراً بارتكاب مصر انتهاكات لحقوق الإنسان، كما استغلت هذه المنظمات نفس السلاح للدفاع، بدم بارد، عن تنظيم داعش الإرهابي، وتجميل صورة جماعة الإخوان المسلمين وحمايتها حتى اليوم من تصنيفها، المستحق عن جدارة، كتنظيم إرهابي دولي. حتى أن الأمم المتحدة ومجالسها المتخصصة في الدفاع عن الحقوق والحريات، على تنوعها، لم تسلم من هذا الأذى، وشهدنا كيف تحولت الأمم المتحدة بجلالة قدرها في السنوات الأخيرة إلى ساحة لتوظيف المال السياسي لتجميل بعض الدول، أو التأثير في قرارات جيو-سياسية لا تحتمل التلاعب. وبطبيعة الحال، لم يسلم المجتمع الحقوقي في داخل مصر، من الوقوع في تلك الدوامة، فقد عانى هو الآخر من حالة تحزب سياسي، خصوصاً في الفترة ما بين عامي 2005 و 2014، حيث حلت المنظمات الحقوقية محل الأحزاب السياسية الضعيفة آنذاك، وتحولت إلى منصات لممارسة المعارضة غير الحكيمة وغير المجدية، وأصبح طبيعياً أن تقسم المنظمات الحقوقية إلى تصنيفات حزبية مثل ليبرالية ويسارية وحتى منظمات إخوانية! فلا نجحت المنظمات الحقوقية المسيسة في تعويض فشل الأحزاب السياسية ولا حفظت لحقوق الإنسان مصداقيتها ومكانتها في أعين المواطنين. لهذا لم يكن مستغرباً أن يذكر الرئيس السيسي بشكل صريح، في خطاب تنصيبه لولاية ثانية، ضرورة مواصلة التصدي للمتاجرين بحقوق الإنسان بنفس القدر والأهمية التي نوليها لمواجهة المتاجرين بالدين، وهو نهج أتبعته الدولة منذ تولي الرئيس في 2014، وقد حقق نجاحاً كبيراً ليس فقط في السيطرة على المتاجرين بحقوق الإنسان داخل مصر، من خلال وضع قانون ينظم عمل المنظمات والجمعيات المدنية، والإصرار على التقدم في مسار البناء الديمقراطي رغم الصعوبات الأمنية ثم الاقتصادية التي مررنا بها، والاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية كوسائل تمكين للمواطنين لممارسة حقوقهم المدنية والسياسة، ولكن أيضاً ساعدت هذه الاستراتيجية في كشف زيف المنظمات الحقوقية الدولية التي استهدفت مصداقية ومصالح مصر أمام المجتمع الدولي. لكن يبقى ضرورة أن تعمل الدولة المصرية في المرحلة القادمة على إتاحة مجال أكبر للشرفاء من الحقوقيين، ليحلوا محل المتاجرين بحقوق الإنسان على الساحتين المحلية والدولية، وإعانة المعتدلين من دعاة حقوق الإنسان على ممارسة دورهم المنوط بهم في دعم الدولة في عملية تنمية المواطن والاهتمام بالإنسان، وذلك من خلال تفعيل قانون الجمعيات والتعجيل بإصدار لائحته التنفيذية، والبت في كافة القضايا المعلقة منذ سنوات بخصوص المنظمات الحقوقية والتمويل الأجنبي، لأن استمرار فتحها بهذا الشكل يضر بسمعة المجتمع الحقوقي ككل، الصالح منه قبل الطالح، وكذلك إعادة تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان ليضم شخصيات ذو خبرة حقوقية وبلا انتماءات حزبية، كل هذا سيحدث فارقاً مهماً، ليس فقط في محاربة المتاجرين بحقوق الإنسان داخل مصر وخارجها، ولكن أيضاً في ضبط إيقاع الحياة السياسية في مصر وتحقيق الاستقرار المجتمعي بشكل عام.

+201283231074

  • facebook
  • twitter

Cairo, Egypt

©2015-2020 LIBERAL DEMOCRACY INSTITUTE