كازاخستان والدروس المستفادة من الربيع العربي



ربما من السابق لأوانه وصف الاحتجاجات في كازاخستان بأنها ثورة. إلا أن التطور السريع في الاضطرابات التي تشهدها الدولة تركية العرق، غنية الموارد، والمهترئة سياسياً، فضلاً على استدعاء النظام الحاكم للقوات الروسية لتتدخل في قمع الاحتجاجات، كلها مؤشرات خطيرة على أن النظام الفاسد والمستبد في كازاخستان على حافة الهاوية.


تذكرنا الاضطرابات الحالية في كازاخستان بالأيام الأولى للثورة التونسية، التي اندلعت في أواخر عام ٢٠١٠ / أوائل ٢٠١١، وكانت بمثابة شرارة أولى لموجة كاسحة من ثورات الربيع العربي التي غيرت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الأبد. بالقياس على الدروس المستفادة من حالات النجاح والفشل التي مرت بها دول الربيع العربي، يمكننا توقع ما سيؤول إله الوضع في كازاخستان، وما إذا كان الغضب الشعبي قد يمتد إلى دول أخرى في منطقة وسط أسيا، والتي تعاني أغلبها من مشاكل سياسي وفساد إداري وصعوبات اقتصادية تهدد باشتعال "ربيع تركي" بشكل أو بأخر.


من هذا المنطلق، من المهم أن نبدأ بالسؤال إذا كانت كازاخستان ستتبع نموذج "مصر" أو "سوريا" في سيناريوهات الربيع العربي. بمعنى آخر، هل سيعطي النظام الحاكم في كازاخستان الأولوية للحفاظ على تماسك الدولة الوطنية ومن ثم يقوم بالتخلي عن القيادة السياسية، أم سيبالغ النظام الكازاخستاني في استخدام القوة لقمع الاحتجاجات، على الرغم من أن هذا قد يؤدي إلى تفكيك الدولة، بما قد يضع البلاد في دوامة لانهائية من الفوضى السياسية والأمنية.


قياساً على نماذج مماثلة من الربيع العربي (٢٠١٠-٢٠١١) وثورات أوروبا الشرقية (حقبة الثمانينيات والتسعينيات)، هناك ثلاثة عوامل رئيسية تحدد الإجابة على هذا السؤال المهم حول الاضطرابات في كازاخستان. العامل الأول يتعلق برد فعل النظام على الاحتجاجات المتنامية والمثابرة، وإلى أي مدى سيذهب النظام في استخدام العنف لقمع والسيطرة على حالة التمرد العام التي اجتاحت البلاد. العامل الثاني هو سلوك المتظاهرين فيما يتعلق بانضباطهم السلمي واستعدادهم الجماعي لتسوية أو رفض التنازلات التي يعرضها النظام عليهم لتهدئة الغضب. العامل الثالث والأكثر حسماً في المشهد الحالي هو تفاعل القوات المسلحة، سواء القوة العسكرية أو قوات الشرطة، مع المتظاهرين ودرجة تعاطفهم أو رفضهم لمشروعية الاحتجاجات ومطالب المتظاهرين.


بين نجاح وفشل دول الربيع العربي في النجاة من ثورات الربيع العربي وعواقبها، كان العامل الرئيسي المحدد هو موقف الجيش الوطني، أي مدى قوة وشعبية المؤسسة العسكرية بين المحتجين، واستقلال القوات المسلحة سياسياً واقتصادياً عن النظام المستبد التي قامت ضده الاحتجاجات، والاستراتيجية التي اختارت المؤسسة العسكرية فيما بعد توظيفها لاحتواء الاحتجاجات الشعبية بعد عزل المسؤول الفاسد. مثلاً، الموقف المتعاون والمنحاز للجيش في حالتي مصر وتونس سبب لصالح المتظاهرين ضد السلطة الحاكمة، كان سبب رئيسي في نجاح الثورتين، مقارنةً مثلاً بتحيز الجيش للسلطة واستخدامه للقمع العنيف ضد المتظاهرين في سوريا أو اليمن، والتي انتهى بها الحال إلى سلسلة من العثرات الأمنية بدءً من الحروب الأهلية وحتى انتشار التنظيمات الإرهابية.


لا يعني التعاون العسكري، في حالات الربيع العربي المذكورة أعلاه، بالضرورة أن الجيش كان يؤمن تماماً بأهداف الثورات وشرعيتها. لكن، حتى التعاون "السلبي" للجيش مع المتظاهرين، باختياره عدم قتل المتظاهرين أو قمعهم باستخدام العنف امتثالاً لأوامر النظام الهاوي، سمح للحركات الشعبية بمواصلة حشد المؤيدين وبالتالي زيادة الاحتجاجات وتقويض شرعية النظام الاستبدادي. كما كانت العلاقة التي نشأت بين الجيش المصري والشباب الثوري طوال ثمانية عشر يومًا من الاحتجاجات في ميدان التحرير في مصر، سنة ٢٠١١، عاملاً حاسماً في تسريع وتيسير عملية إزاحة النظام الاستبدادي والحفاظ على تماسك الدولة بعد سقوطه.


في كازاخستان اليوم، السيناريو أكثر تعقيدًا. الرئيس الحالي، قاسم جومارت توكاييف، ليس سوى رئيس صوري للديكتاتور السابق نور سلطان نزارباييف، الذي حكم البلاد منذ إعلان استقلالها في عام ١٩٩١، واستمر في الحكم من وراء الكواليس منذ الانتخابات المزورة التي أتتب بالرئيس توكاييف إلى الحكم في عام ٢٠١٧. وعلى مدار عقود، تم إضعاف الجيش الكازاخستاني بسبب فساد النظام، ولم تفلح مبادرات الولايات المتحدة العديدة لتقديم مساعدات فنية ومالية للجيش الكازاخستاني، لاسيما خلال السنوات الأولى من التدخل الأمريكي في أفغانستان، إلى أي تحسينات ملموسة في قدر الجيش الكازاخستاني، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على الجيش الروسي ويدين له بالولاء، حيث أن روسيا هي أكبر مورد أسلحة للجيش الكازاخستاني، وأفراد جيش كازاخستان يتلقون تدريبهم وتعليمهم في روسيا.


حتى الآن، قتلت القوات عشرات المحتجين وتسببت في إصابة المئات، حيث أمرهم توكاييف بإطلاق النار على المتظاهرين دون سابق إنذار. مثلما حدث في الربيع العربي، لم ينجح عنف توكاييف في قمع المظاهرات، بل على العكس زاد من عدد المحتجين والنطاق الجغرافي للاحتجاجات. لهذا، في ٧ يناير، طلب توكاييف من روسيا التدخل، وفق معاهدة الأمن الجماعي، واستجابت روسيا على الفور بإرسال قوة عسكرية قوامها ٢٥٠٠ فرد لقمع المتظاهرين، ومع الأسف من المتوقع بشدة أن يتعاون الجيش الكازاخستاني مع القوات الروسية في قتل شعبه، ليكرر بذلك بشاعة سيناريو الثورة السورية.


اقرأه أيضاً على ليفانت