top of page

مستقبل لبنان والحكومة الجديدة



يعاني لبنان من مشاكل متكررة منذ تفجير ميناء بيروت في أغسطس ٢٠٢٠. اذ أسفر الانفجار القاتل في الميناء عن إصابة أكثر من سبعة آلاف وموت ٢١٧ شخص، وأدى إلى الإطاحة بالحكومة السابقة. ظل لبنان لأكثر من عام في بيئة فوضوية وبدون حكومة رسمية تقود البلاد. ومع ذلك، تم الإعلان في سبتمبر عن تشكيل حكومة جديدة نسبياً، مما أثار العديد من الأسئلة في أذهان المتابعين للوضع في لبنان، ومنها: من كان يدير شئون البلاد طوال العام الماضي؟ من هي الحكومة الجديدة وهل هي جديرة بالثقة؟ هل ستغير الحكومة الجديدة الوضع البائس الذي تعاني منه البلاد؟


كان انفجار المرفأ نقطة تحول في تغير الوضع في لبنان. فالانفجار لم يفجر العديد من المباني، ويحطم الكثير من النوافذ فقط، بل تسبب في طرد الحكومة. لقد عانى لبنان، ولا تزال تعاني، من أزمة اقتصادية ضخمة حيث بدأت العملة "الليرة" في التراجع منذ ذلك الحين. فلقد خسرت ٩٠٪ من قيمتها، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بما يصل إلى ٤٠٠٪ من سعرها الأصلي. لذلك، كانت هناك حاجة لتشكيل حكومة جديدة قد تنجح في تحسين الأوضاع. كما أنه بعد الانفجار، كانت هناك عدة محاولات فاشلة لتشكيل حكومة جديدة، واحدة بقيادة مصطفى أديب والأخرى بقيادة سعد الحريري، مما أدى إلى حدوث فترة من الفراغ السياسي استمرت لمدة عام، حيث كانت القوى السياسية المختلفة تقاتل بعضها لتشكيل الحكومة التي تناسب كل منهم، بغض النظر عن مصلحة المواطنين الذين تضرروا بالغ الضرر في تلك الأثناء، ونتج عن ذلك بقاء رئيس الوزراء السابق حسان دياب في منصبه لكن دون أي سلطة حقيقية في يده.


يتولى نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة الجديدة التي تشكلت مؤخراً. ميقاتي ليس وجهاً جديداً على الساحة السياسية اللبنانية، فقد سبق وتولى رئاسة الوزراء مرتين من قبل في ٢٠٠٥ و٢٠١١، وهو من أصحاب المليارات التي اكتسبها من عمله في قطاع الاتصالات في لبنان. سبق أن تم توجيه تهم فساد لميقاتي عندما كان رئيساً للوزراء في الماضي.


فيما يتعلق بتمثيل المرأة، تُظهر الحكومة الجديدة انخفاض كبير في معدل تمثيلها، حيث تعتبر نجلاء الرياشي المرأة الوحيدة من بين ٢٤ وزيراً في هذه الحكومة، على عكس مثلاً حكومة حسان دياب التي ضمت ستة نساء. تم تعيين الرياشي وزيرة للتنمية الإدارية، وهي لديها خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي، حيث سبق وعملت قنصل لبنان في إسطنبول عام ٢٠٠٢، وفي الفترة بين ٢٠١٢ و٢٠٢٠، خدمت كمدير مكتب وزير الخارجية تحت قيادة جبران باسيل.


بالنسبة لوزارة المالية، فقد تم تعيين يوسف الخليل لتولي إدارتها. عمل الخليل في البنك المركزي لما يقرب من أربعين عامًا وأدار عمليات متعددة لجلب الدولار الأمريكي إلى البلاد، وكانت سبب في زيادة حدة الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان، وأسفرت عن العديد من الحسابات المصرفية الفارغة للمدنين غير القادرين على سحب أموالهم. عضو آخر في الحكومة هو وجه مشهور للعالم العربي، وهو جورج قرداحي، مقدم النسخة العربية من البرنامج التليفزيوني الشهير "من سيربح المليون؟"، حيث تولى قرداحي وزارة الإعلام. أما وزير الصحة الجديد، فراس أبيض، فقد كان مسؤولاً عن إدارة أزمة وباء كورونا، وهو من القلائل في هذه الحكومة الذي يحظى باحترام معظم الناس في لبنان.


من الأمور الإيجابية التي ستترتب على تشكيل هذه الحكومة، هو أنه أصبح الآن بإمكان لبنان الاستفادة من المساعدات الخارجية، وبالتالي تسديد ولو جزء من ديونها التي تقدر بتسعين مليار دولار، حيث لم يكن ممكناً من قبل دخول المساعدات إلى البلاد في ظل غياب حكومة رسمية عاملة.


أول خطوات الحكومة الجديدة نحو إصلاح الوضع القائم قام بها وزير المالية، الخليل، الذي اتفق مع شركة أمريكية على إجراء تدقيق مالي على البنك المركزي، وهذه تعد خطوة في غاية الأهمية، حيث أنها سوف تشجع المجتمع الدولي على ضخ المساعدات والقروض إلى لبنان للمساهمة في حل أزمته.


علاوة على ذلك، يوجد لدينا جماعة حزب الله، التي تعد قوة سياسية لا يستهان بها في داخل لبنان، رغم تصنيفها كتنظيم إرهابي من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. تدعم حزب الله أثنين من الوزراء في الحكومة الجديدة، لهذا قاموا بإحضار وقود الديزل إلى البلاد من سوريا، حيث كانت البلاد تفتقر إلى الوقود في مخازنها. وعلى الرغم من موافقة الحكومة على شحنة وقود من العراق، إلا أن حزب الله أحضروا وقودًا إيرانيًا من سوريا قبل يوم واحد من وصول الوقود العراقي. وبهذا كسر حزب الله العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على كل من يتعامل مع الحكومة السورية الحالية، لكن هذه الخطوة سببت ارتياحًا للمدنيين الذين يعانون من نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي وغير ذلك الكثير.


ما زال من المبكر توقع إذا ما كانت الحكومة الجديدة سوف تنجح في تغيير الوضع المأساوي في البلاد. لكن من المرجح أن تكون هناك بعض اللمسات لتغيير المشاكل العميقة التي تواجهها. إن إيجاد طريقة لحل العجز المالي، وانحدار العملة لن يكون سهلاً. و على الحكومة أن تضع تلك القضية في صلب أولوياتها. رئيس الوزراء الجديد ميقاتي صرح بأنه "يأمل أن يأخذ البلاد إلى مستوى آخر" ثم يترك الخيار للشعب بشأن من يحكم في المستقبل عبر الانتخابات المقبلة في شهر مايو. هذا تصريح مشجع وإن كنا لا نعرف ما يخبأه وراءه.


أخيرًا، ما زال الشعب اللبناني الذي يعاني بدرجة غير مسبوقة، بلا بنزين يدفئه ولا طعام يأكله، يتساءل كيف يمكن لأعضاء الحكومة الجديدة إصلاح الوضع المتردي في البلاد، بينما هم نفس الأشخاص الذين سبق وتسببوا في المأساة التي يعاني منها لبنان الآن.