ليبيا: مستقبل الحل السياسي بعد تأجيل الانتخابات



رغم خيبة الأمل الإقليمية والدولية بسبب فشل ليبيا في إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، فإن هذا التأجيل كان ضرورياً ويصب تماماً في مصلحة الشعب الليبي ومستقبل ليبيا. إن إجراء الانتخابات في مثل هذه الفوضى القانونية والأمنية، حيث تملي الميليشيات القرارات السياسية، مؤداه سيكون كارثي، إذ تحتاج الانتخابات إلى بيئة مستقرة وآمنة لتكون قادرة على تحقيق نتائج عادلة وطويلة الأمد. وإلا فإن الممارسة الديمقراطية سوف تمكّن الأطراف الخاطئة من تولي السلطة وبالتالي إحداث ضرر كبير للمواطنين الذين انتخبوهم في بيئة غير ملائمة. مع الأسف، حتى هذه اللحظة، لم تتمكن ليبيا من توفير البيئة المناسبة لإنجاح الانتخابات.


بعد أسابيع من الالتباسات والتكهنات، أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في ٢٢ ديسمبر، عن عدم قدرتها على إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرر في ٢٥ ديسمبر. لم تستطع المفوضية، ومقرها طرابلس، اتخاذ القرار الرسمي بتأجيل الانتخابات، لأن القوانين المنظمة تخول هذا الحق لمجلس النواب في بنغازي. لذلك، كان على رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أن يصدر بيانًا عامًا يشرح أسباب عدم قدرة مؤسسته إجراء الانتخابات في الوقت الحالي بسبب ما وصفه بـ "القوة القاهرة"، ثم اقترح على مجلس النواب أن يأمر بتأجيل موعد الانتخابات الرئاسية إلى ٢٤ يناير لحين زوال العوائق التي تحول دون عقدها.


على الرغم من تعدد الأسباب المنطقية التي تجعل إجراء الانتخابات في ليبيا عملاً انتحاريًا، ظل المجتمع الدولي يضغط بشدة من أجل إجراء الانتخابات، طوال الأشهر الماضية، ربما لأن ذلك سوف يمكن القوى العالمية المتورطة في ليبيا منذ ٢٠١١، بالخروج بشكل مشرف، حتى تتفرغ لتحديدات أكثر أهمية بالنسبة لها، مثل التعامل مع أثار الوباء العالمي والتهديد الاقتصادي المتصاعد من الصين. حتى أنه في شهر نوفمبر، توعّد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأن "أولئك الذين يحاولون عرقلة الانتخابات في ليبيا سيعاقبون".


المفارقة، أن هذا التهديد الأممي صدر في نفس اليوم الذي استقال فيه يان كوبيش فجأة من منصبه كمبعوث خاص للأمين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. فقد أضاف الفراغ الذي أحدثه كوبيش باستقالته المفاجئة وغير المبررة قبل شهر واحد فقط من موعد الانتخابات، عبئًا كبيرًا على الوضع المتوتر من الأساس في ليبيا، وكان أحد العوامل التي أدت إلى عرقلة الانتخابات. ومع ذلك، لم يتلق كوبيش أي عقوبة من مجلس الأمن الدولي، حتى الآن.


لا تقتصر العوائق التي تقف في طريق الانتخابات الليبية، والتي خلقت القوة القاهرة التي أشارت إليها مفوضية الانتخابات، على التهديدات الأمنية فقط. في ظل قانون انتخابي معيب ومطاط يسمح لأي مواطن ليبي فوق الأربعين من العمر بالترشح لمقعد الرئاسة، لا يمكننا أن نتوقع أن تكون هذه الانتخابات قادرة على تحقيق الهدف النهائي لعملية الحل السياسي. عشرات المرشحين المسجلين هم إما أسماء جديدة بإمكانيات محدودة أو معدومة، لا يمكن أن تؤهلهم لقيادة بلد مثل ليبيا، أو بعض من مثيري المشاكل المعروفين من النخبة السياسية الحالية، سواء في طرابلس وبنغازي.


والأهم من ذلك، هو عدم توفر ضمانة لأن أيًا من طرفي الصراع السياسي في ليبيا لن يعترض على نتائج التصويت دون إشعال منازعات ستتصاعد حتماً إلى مواجهات عنيفة، تتولى المليشيات دور البطولة فيها. ربما العراق هو أحد أحدث الأمثلة على قدرة الميليشيات المتحيزة سياسياً على تحويل ممارسة ديمقراطية، مثل التصويت في انتخابات عامة، إلى صراع مسلح. هذا سيناريو لن تستطيع ليبيا المنهكة التعامل معه أو احتواء أثاره، بل تزداد احتمالات إعادة ليبيا إلى جحيم الحرب الأهلية، نتيجة الخلافات على نتائج الانتخابات، في ظل الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، وانتشار الميليشيات والمرتزقة والعناصر الإرهابية.


كان يجب استكمال عملية توحيد غرب وشرق ليبيا قبل مواصلة التحضير للانتخابات في ديسمبر، ويجب أن يكون هذا على رأس الأولويات الآن بعد تأجيل الانتخابات. وفي هذا الإطار، فإن الزيارة غير المتوقعة لأثنين من المترشحين للرئاسة من بين أشهر القيادات السياسية في طرابلس، أحمد معيتيق وفتحي باشاغا، إلى بنغازي، صباح يوم تأجيل الانتخابات للقاء ألد خصومهم المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، رغم ما كان بينهم من حروب، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها لا تكفي. إذ أن العامل الأهم في إنهاء الصراع بين غربي وشرقي ليبيا هو توحيد القوات العسكرية التي يقودها كل من الطرفين تحت مظلة الوطن. مع الأسف، حتى هذه اللحظة، يرفض حفتر دمج الجيش الوطني الليبي في صفوف القوات المسلحة الرسمية في طرابلس، أو أن يعمل هو نفسه تحت أمرة القيادة العسكرية في طرابلس. وبناءً عليه، فإن استمرار الانقسام العسكري بهذا الشكل يقدم مبررات لاستمرار تواجد القوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة داخل البلاد، بل ويقوي شوكة الميليشيات المحلية، على العكس تماماً ما تبغي العملية السياسية تحقيقه.


يبقى السؤال المهم، الآن، إذا ما كان تأجيل الانتخابات إلى ٢٤ يناير سيحدث أي فرق حقيقي في المعضلة السياسية والأمنية التي تعاني منها ليبيا. فكيف يمكننا أن نتوقع من حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة حل القوة القاهرة وإزالة العقبات التي تعترض الانتخابات في غضون الأسابيع الأربعة المقبلة، إذا كانت فشلت بالفعل في عمل ذلك طوال تسعة أشهر مضت.


إن انتخاب حكومة الوحدة الوطنية، في يناير، بفضل الجهود الخارقة للسيدة ستيفاني ويليامز، التي كانت آنذاك رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وهي الآن المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، كان قد أوجد الأمل في أن الحل السياسي لليبيا قد ينجح حقًا. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتوصل فيها الليبيون إلى اتفاق، بعد ست سنوات من الحرب الأهلية، التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء، وخلقت فوضى قبلية مكّنت الإرهابيين والميليشيات وفتحت البلاد أمام تدخلات القوى الأجنبية.


دعونا نأمل إذاً، أن تتمكن ستيفاني ويليامز، الذكية وصاحبة العزيمة التي لا تهزم، من إعادة عملية الحل السياسي إلى مسارها، قبل الموعد الجديد للانتخابات في ٢٤ يناير.


اقرأه أيضاً على ليفانت