الدوافع غير المعلنة لاجتماع قيادات عربية في العملين



أثيرت حالة من الارتباك والجدل حول اجتماع عدد من القادة العرب في مدينة العلمين المصرية الأسبوع الماضي. على الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها زعماء مصر والأردن والعراق والبحرين والإمارات، إلا أن أغلب المراقبين قد وجدوا صعوبة في شرح دوافع هذا اللقاء. وقد ضاعف الأمر غموضاً عدم إصدار بيان ختامي مشترك في نهاية القمة، وغياب قائمة واضحة ببنود جدول الأعمال والموضوعات التي تم مناقشتها، والتي تُركَت جميعاً لتكهنات الصحفيين، فضلاً على لغة التعميم في التصريحات الإعلامية الرسمية التي صدرت عن كل من الدول المشاركة في الاجتماع. رغم ذلك، فإن إلقاء نظرة أعمق بعيون خبيرة يمكن أن يساعدنا على فهم الدوافع غير المعلنة لهذا الاجتماع الهام، في هذا التوقيت.


تعد مدينة العلمين الجديدة، التي استضافت اجتماع القادة العرب الخمسة في ٢٣ أغسطس، هي العاصمة الصيفية لمصر. في وقت سابق من هذا الشهر، استضافت العلمين الجديدة مراسم تنصيب الوزراء الجدد من قبل رئيس الجمهورية. تقريباً جميع كبار المسؤولين في مصر، بدءًا من رئيس الدولة ومجلس الوزراء، أصبح لديهم مكاتب في العلمين الجديدة، بالتوازي مع مكاتبهم التقليدية في القاهرة. ربما لهذا السبب تم اختيارها لعقد اجتماع القادة العرب الأخير، بدلاً من أماكن الاجتماع التقليدية في القاهرة أو حتى مدينة شرم الشيخ المطلة على البحر الأحمر.


تعتبر الإمارات هي أكبر مستثمر أجنبي في المشاريع العقارية بمدينة العلمين الجديدة، والتي بدأ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في تشيدها على مساحات شاسعة من الصحراء، في عام ٢٠١٨، وقد تم تسويق المدينة للمستثمرين على أنها النسخة الجديدة من مدينة دبي الإماراتية على شواطئ البحر المتوسط. دفع ذلك بعض وسائل الإعلام العربية المعارضة إلى الادعاء بأن رئيس الإمارات، محمد بن زايد، هو من اختار العملين الجديدة لاستضافة اجتماع الخماسي العربي. يدعم هذا الادعاء حقيقة أن بن زايد وصل إلى مكان انعقاد القمة قبل يومين من موعدها، ثم انضم إلى السيسي في استقبال القادة الثلاثة الآخرين والترحيب بهم. المشهد الذي يتناقض مع البروتوكول المتوقع في مثل هذه الاجتماعات، جعل الوضع يبدو كحدث استضافه رئيس الإمارات - وليس الرئيس المصري.


في هذا الصدد، من المهم أن نلاحظ أن هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها الشيخ محمد بن زايد في قمة إقليمية بصفته رئيس دولة الإمارات الجديد، حيث أكد بن زايد من خلال مشاركته في هذا الاجتماع التشاوري دور بلاده المؤثر في المنطقة الذي يمتد إلى ما وراء الخليج باتجاه مصر والأردن والعراق. بعد الاجتماع، غرد رئيس الإمارات بأنه وجد الاجتماع "مثمرًا" وتعهد بأن بلاده "ستواصل التنسيق مع الأشقاء العرب لتعزيز الاستقرار والتنمية والازدهار في المنطقة". قبل توليه الرئاسة، كان الشيخ محمد بن زايد دائمًا مشاركًا نشطًا في المحادثات الاقتصادية بين مصر والأردن والعراق، في السنوات الماضية، حيث تعمل الدول الثلاث معًا على مشروعين طموحين، هما: طريق الشام الجديد، وهو عبارة عن طريق ربط تجاري بين شمال أفريقيا ومنطقتي الشام والخليج، ومشروع الربط الكهربائي الذي يهدف إلى إمداد العراق بفائض الكهرباء المصري عبر شبكات تمتد داخل الأردن.


رغم أن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، اضطر إلى ترك الاجتماع حتى قبل أن يبدأ، للتعامل مع الاضطرابات السياسية الطارئة في بغداد، إلا أن مشاركته أعطت رسالة مطمئنة للشارع العراقي والعربي بأن مشاريع بلاده المشتركة مع مصر والأردن لا تزال قائمة وجادة رغم كل التوترات السياسية الداخلية التي يمر بها العراق. من نفس المنظور، كانت أهداف قادة الأردن ومصر من لقاء العلمين، إذ يشكل حضور دول الخليج الثرية، الإمارات والبحرين، في هذا الاجتماع يحمل رسالة مطمئنة للشعبين المصري والأردني بأن دول الخليج ستستمر في دعم قيادات دولهما لعبور الأزمة الاقتصادية الطاحنة حالياً. جدير بالذكر أن الإمارات والبحرين والسعودية وقطر قد قدموا بالفعل عشرات المليارات من الدولارات، في الأشهر القليلة الماضية، لتعزيز الاقتصاد المصري.


أثار غياب السعودية عن حضور الاجتماع في العلمين بشكل مفاجئ علامات استفهام في وسائل الإعلام الغربية. وربما يرجع ذلك إلى أن وسائل الإعلام العربية وصفت اللقاء في البداية بأنه "قمة عربية"، مما يجعل غياب دولة عربية قائدة مثل السعودية مدعى للاستغراب، لكن البيانات الرسمية الصادرة عن الخمس دول المشاركة اكتفت بوصفه "لقاء تشاوري أخوي يهدف إلى تعزيز العمل العربي المشترك". في الحقيقة، هذه ليست المرة الأولى التي يعقد فيها القادة العرب الخمسة اجتماعاً دون مشاركة السعودية. كان هذا هو الحال، مثلاً، عندما اجتمع القادة المذكورين في ربيع عام ٢٠٢١ لمناقشة مشروع طريق الشام الجديد، ومرة أخرى في شهر مايو من العام الجاري للإعلان عن مبادرة الشراكة الصناعية بين مصر والأردن والإمارات والبحرين.


فوق كل ذلك، لا يمكن لأحد أن يتجاهل حقيقة أن المملكة العربية السعودية شريك أصيل للدول الخمس المذكورة في عدد لا يحصى من المبادرات السياسية والمشاريع الاقتصادية، التي كان لها الفضل في تغيير وجه الشرق الأوسط في العقد الماضي. على بعد كيلومترات قليلة من اللقاء الخماسي في العملين، تحديداً في قاعدة محمد نجيب العسكرية في شمال غرب مصر، كان أفراد القوات الخاصة من الجيش السعودي يشاركون في التمرين العسكري المشترك "هرقل ٢٠٢٢" إلى جانب القوات المسلحة المصرية والإماراتية واليونانية والقبرصية والأمريكية.


نظرًا لحالة عدم اليقين التي يعيشها عالمنا اليوم، والتي لا يعرف أحد متى ستنتهي، فإن التنسيق الإقليمي بين القادة العرب، على جميع المستويات، أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.


اقرأه أيضاً على ليفانت