top of page

الأخوات المسلمات: من تربية الأطفال والإنجاب إلى الجهاد



تمر جماعة الإخوان المسلمين حاليًا بواحدة من أكثر الأزمات الوجودية اهتزازًا في تاريخها؛ حيث وصل القتال بين كبار السن على جسد المجموعة المريض، والذي لم يتوقف منذ ٢٠١٤، إلى مستوى غير مسبوق. وحتى هذه اللحظة اقتصرت المعركة على تبادل التصريحات الإعلامية بين جبهة إبراهيم منير ومقرها لندن وجبهة محمود حسين ومقرها إسطنبول. فكل جانب يستخدم سلطاته المزعومة لرفض سلطات الطرف الآخر. ومع ذلك، يشير بعض الخبراء إلى أن هذا الوضع الساخن قد يتصاعد إلى أعمال عنف فعلية، في أي لحظة، قد يصل بأحد الأطراف لاغتيال الآخر.


ومع ذلك، فإن الانقسامات المتصاعدة بين قادة الإخوان المسلمين، وما يترتب على ذلك من انسحاب تدريجي للداعمين السياسيين والماليين الأجانب للجماعة، ينبغي أن يكون أقل ما يقلق الجماعة، في هذه اللحظة الحرجة. لكن القلق الأكبر ينبع من ميل العضوات الشابات، اللواتي يُطلق عليهن اسم «الأخوات المسلمات»، لاتباع أقرانهن من الذكور في طريق الجهاد. فلطالما كانت الأخوات المتدينات وغير المقدرات في جماعة الإخوان المسلمين كن العنصر السري الذي أنقذ الجماعة من الانهيار في أوقات الأزمات. وفي ظل الأزمة الحالية، ربما تكون الأخوات المسلمات آخر شريان حياة لا تستطيع المجموعة تحمل غيابه.


مطرقة الأوتاد


جماعة «الأخوات المسلمات» قديمة قدم جماعة الإخوان المسلمين. فقد بدأن في عام ١٩٣٢، بعد بضعة أشهر من انتقال قيادة الجماعة إلى القاهرة، فقط من أجل الإنجاب وتكوين أسر تخدم الأهداف التوسعية طويلة المدى للجماعة. ومع ذلك، في فترة قصيرة من الزمن، أثبتت الأخوات أنهن ركيزة أساسية للدعم، واستمروا في لعب دور حاسم في الحفاظ على تماسك الجماعة، خاصة في الأوقات الصعبة للقمع السياسي، على الرغم من تعرضهن بشكل متكرر لسوء المعاملة والاستغلال من قبل الإخوة.


بدأت جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨ بالإسماعيلية كجمعية إسلامية سرية مهمتها استعادة وحدة الأمة الإسلامية في ظل نظام خلافة واحد تحكمه الشريعة الإسلامية. وفي الإسماعيلية، وهي بلد ريفي صغير في شرق مصر، حيث انفصل الناس تمامًا عن أسلوب الحياة الحديث والعلماني في العاصمة القاهرة، وجد حسن البنا أرضًا خصبة لزرع أيديولوجيته وجذب أنصار القاعدة. وخلال ذلك الوقت، كانت غالبية العائلات في المدن الريفية تميل إلى أن تكون محافظة دينياً واجتماعياً لأنها لا تستطيع مواكبة التحديث السريع والمتطرف لجميع جوانب الحياة في العاصمة القاهرة، حيث شهدت السنوات التي أعقبت ثورة ١٩١٩ العصر الليبرالي في تاريخ مصر الحديث عندما كسرت النساء حواجز الخوف وقررن مغادرة منازلهن للمشاركة بشكل مكثف في الحياة العامة جنبًا إلى جنب الرجال.


وفي عام ١٩٣٠، مع ازدياد شعبية الإخوان المسلمين بين المواطنين على مستوى القاعدة الشعبية في المدن الريفية في جميع أنحاء مصر، قرر البنا نقل فكر الإخوان المسلمين إلى القاهرة، حيث يمكنه إقحام جماعته كحزب سياسي جديد إلى النظام السياسي الليبرالي الجديد والمتطور آنذاك. وكان البنا يعلم أن جماعته لن تكون موضع ترحيب في القاهرة العلمانية الحديثة، إذا أظهر علانية أيديولوجيته المتطرفة التي تنظر إلى النساء على أنهن «بشر أقل نموًا»، ويأمرهن بأن يكونوا تابعين لأزواجهن. لذلك قرر حسن البنا في عام ١٩٣٢ تكوين جماعة «الأخوات المسلمات» كفرع هامشي داخل جماعة الإخوان، وكتب مذكرة بعنوان «رسالة إلى المرأة المسلمة»، حيث وضع شروطا وأحكاما معيشية للنساء اللاتي تم استدعاؤهن للانضمام إلى الجماعة.


بالإضافة إلى جعل الجماعة تظهر بشكل مزيف على أنها منفتحة وداعمة للمرأة، كان الهدف الرئيسي من تجنيد النساء، في هذه المرحلة المبكرة، هو خلق رابطة قبلية تربط العدد المتزايد لأعضاء الإخوان المسلمين بالدم، وليس بأيديولوجيا سياسية أو دينية مشتركة. بمعنى آخر، كانت مهمة المرأة الأساسية داخل جماعة الإخوان المسلمين هي تكوين الأسرة وتربية الأطفال، الذين سيتزوجون فيما بعد من بعضهم البعض ويكوِّنون أسرًا جديدة، وما إلى ذلك. كانت هذه استراتيجية البنا للحفاظ على نمو الجماعة في العدد والتوسع في الحجم على مدى فترة طويلة من الزمن في المستقبل. ومن الواضح أنها عملت بنجاح!


رابطة الدم، وهي أقوى بكثير من الرابطة الأيديولوجية المشتركة، جعلت الإخوة أكثر استعدادًا للتبرع بأموالهم والمخاطرة بحياتهم لخدمة مهمة الجماعة وأهدافها. وبمرور الوقت، نشأت الأجيال القادمة على شعور التفاني والانتماء الحصري لقبيلة الإخوان المسلمين، وهذا أكبر من شعورهم بالانتماء كمواطنين إلى دولتهم القومية. وحقيقة الأمر هي أن هذه الرابطة القبلية/ رابطة الدم هي السبب الرئيسي وراء تمكن مثل هذه المنظمة السياسية والدينية المتطرفة من العيش لما يقرب من مائة عام، في حين أن الأيديولوجيات العقائدية الأخرى، مثل الشيوعية على سبيل المثال، اندثرت تحت ضغط الوقت والحرب وتغيير الأجندات السياسية للمجتمع الدولي.



إبقاء القارب طافياً


يُزعم أن عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر (الذي حكم من ١٩٥٤ إلى ١٩٧٠) كان أحلك فترات القمع السياسي للإخوان المسلمين. ناصر، الذي جاء بأجندة للترويج للآيديولوجيا الشيوعية التي كانت تحظى بشعبية دولية في ذلك الوقت، كان مصمماً على القضاء على جماعة الإخوان المسلمين. وبالفعل، لم يتردد في وضع قادة الجماعة في السجن، وإخضاعهم لعمليات إعدام جماعية بناءً على قرارات قضائية استثنائية. ولكن، تمكن بعض قادة المجموعة من الفرار من مصر لكنهم كانوا ضعفاء وخائفين للغاية من تحدي ناصر وشعبيته الهائلة، ليس فقط بين المصريين، ولكن أيضًا في العديد من الدول العربية.


وفي ذلك الوقت الحرج، قررت الأخوات المسلمات كسر السقف الذي وضعه البنا لإنقاذ التنظيم من الانهيار تحت قبضة ناصر الحديدية. وبدأن في تنظيم أنفسهن سرا لملء دور القادة الغائبين. وكانت الخطة هي تمرير الاتصالات بين القيادات المسجونين والقاعدة الحرة وجمع التبرعات للصندوق المركزي للمجموعة ورعاية أسر وأبناء الإخوة المسجونين. وفوق كل ذلك، استمرت الأخوات المسلمات في نقل المبادئ الآيديولوجية للإخوان المسلمين إلى أبنائهن، الذين نشأوا فيما بعد ليكونوا القادة الجدد للجماعة التي تم إحياؤها بعد وفاة عبد الناصر، وتنصيب محمد أنور السادات كرئيس قادم.


الأخوات المسلمات، وخاصة من الأجيال الأكبر سنا، يلعبن دورًا مشابهًا في عصرنا الحالي. فبعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في مصر، في عام ٢٠١٣، فر عدد كبير من كبار القادة إلى تركيا وقطر والمملكة المتحدة، في حين تم اعتقال المرشد العام وعدد قليل من الأشخاص الآخرين. وما بين عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥، اعتقلت قوات الأمن المصرية جميع القادة المتوسطين لجماعة الإخوان المسلمين أو قُتلوا في مواجهات مسلحة. خلق هذا فجوة تطلبت من نساء الإخوان المسلمين أن يتقدمن لملأها. ومنذ ذلك الحين، بدأت الأخوات الأكبر سنا في لعب دور القادة الوسطيين، لإبقاء المجموعة حية في الظل؛ على أمل أن يأتي رئيس في المستقبل بعد السيسي، يعيد الجماعة إلى الحياة العامة، كما فعل السادات عندما تولى السلطة بعد عبد الناصر.


لم تكن السنوات القصيرة التي قضاها السادات في الرئاسة (من ١٩٧٠ إلى ١٩٨١) سهلة مثل سنوات عبد الناصر. فلم يكن الناس معجبين به بقدر إعجابهم بعبد الناصر، حيث قوبل انفتاحه على السلام مع إسرائيل ودعوته إلى إقامة اقتصاد سوق مفتوحة ونظام سياسي ليبرالي بمعارضة شرسة من مؤيدي أيديولوجيا ناصر الشيوعية، الذين يطلقون على أنفسهم اسم «الناصريين». ولتحييد تأثير الناصريين بين المواطنين على مستوى القاعدة، اضطر السادات إلى توظيف الإسلاميين ضدهم. لذلك أطلق سراح قيادات الإخوان المسلمين من السجن وسمح لهم بممارسة الخرق الديني والنشاط الاجتماعي على نطاق محدود. نجحت استراتيجية السادات لقمع الناصريين من خلال تمكين الإسلاميين. وفي وقت قياسي، تخلى غالبية المواطنين عن كل معتقد شيوعي اعتنقوه في عهد عبد الناصر وبدأوا في التكيف مع أسلوب السادات الجديد في الحكم والمعيشة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، توقفت حياة السادات على يد الإسلاميين الذين مكنهم من ذلك.



التعبئة السياسية


بعد اغتيال السادات، تمت ترقية نائبه محمد حسني مبارك ليكون الرئيس الجديد. كان على مبارك (الذي حكم من ١٩٨١ إلى ٢٠١١) أن يتعامل مع تحديين رئيسيين؛ تحسين الاقتصاد والسيطرة على توسع الإسلاميين والحركات الجهادية المتطرفة التي ازدهرت في عهد السادات. وبينما كان مبارك ناجحًا بلا رحمة في محاربة التنظيمات الجهادية، فقد استفاد من مساحة اجتماعية ضخمة للإسلاميين السياسيين من الإخوان المسلمين والحركة السلفية. وعلى الرغم من أن نظام مبارك ووسائل الإعلام وصفت جماعة الإخوان المسلمين بأنها «جماعة محظورة»، إلا أنه لم يمنعهم من ممارسة أنشطة الظل السياسية بين المواطنين.