حزب العمال الكردستاني: صنيعة المخابرات التركية الذي خرج عن السيطرة


مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان

إن حزب العمال الكردستاني (المعروف اختصارأ بـ "بي كا كا" أو PKK) هو منظمة كردية مسلحة، تتبنى الفكر الاشتراكي التحرري، أسسها عبد الله أوجلان (الشهير بـ "آپو") في أواخر السبعينيات. وعلى الرغم من أن المنظمة تبنت في البداية مطلب إقامة دولة كردية مستقلة كهدف رئيسي، إلا أن أهدافها المعلنة تغيرت لاحقاً للدعوة إلى تحقيق الاستقلال الذاتي على أساس المبادئ الاشتراكية في إطار علاقة كونفدرالية مع دولتي إيران وتركيا.


وقد سبق واعترفت مصادر رسمية في الولايات المتحدة، في مناسبات عديدة، أن حزب الاتحاد الديمقراطي (المعروف اختصاراً بـ "بي واي دي" أو PYD) هو في الحقيقة أحد فروع حزب العمال الكردستاني في سوريا، فمثلاً ذكر وزير الدفاع الأمريكي السابق، آشتون كارتر، خلال إفادة استعرضها أمام مجلس الشيوخ في ٢٨ أبريل ٢٠١٦، أن هناك ارتباط جوهري بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني.


قد لا يبدو اسم عبد الله أوجلان مألوفاً لمعظم الناس، ولكنه معروف للجميع في تركيا. في العام ٢٠٠٧، نشرت الكاتبة "سوسن ولات" مقال على موقع Kurdish Aspect، اتهمت فيه أوجلان صراحةً بالعمل مع جهاز المخابرات التركية، واعتبرت ذلك "عملية خيانة ممنهجة للقضية الكردية"، حيث كتبت ولات: "لعب أوجلان دور عميل مزدوج لسنوات... صعوده وسقوطه كان مخطط له جيداً بواسطة الدولة التركية. فقد وفر هو وحزب العمال الكردستاني غطاء للدولة التركية من أجل... النفوذ إلى قلب الأراضي الكردية، وتدمير طريقة حياتهم وثقافتهم ولغتهم".


تعتقد ولات، وغيرها من المراقبين، أنه قبل تشكيل حزب العمال الكردستاني، تسللت المخابرات التركية، في منتصف الخمسينيات، إلى مجموعات الناشطين الأكراد، وساعدت في ترسيخ أوراق اعتمادهم الشيوعية، وبالتالي قدمت ذريعة مشروعة لقمع الأكراد تحت ادعاء منع انتشار المذهب الشيوعي، وهو الأمر الذي لاقى هوى لدى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، حلفاء تركيا الجدد في ذلك الوقت.


ثم في السبعينيات، حسبما تدعي النظرية، سهلت المخابرات التركية ظهور حزب العمال الكردستاني، على أمل استخدامه كقوة مضادة من شأنها إضعاف المتمردين الأكراد الآخرين. وفي هذا السياق، ذكر "إمر الله أوسلو"، المحلل السياسي في مؤسسة جيمستاون وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة يدي تبيه في أسطنبول: "خططت المخابرات التركية لإحداث انقسام في أوساط الجماعات اليسارية التركية من خلال إنشاء مجموعة يسارية كردية خاصة بها، هي حزب العمال الكردستاني (PKK)، ولكن يبدو أنها فيما بعد خرجت عن نطاق السيطرة".


وفي حقبة الستينيات والسبعينيات، كانت تركيا تمر بتغيرات اجتماعية كبيرة، أدت إلى ظهور أطياف متنوعة من الجماعات القومية الكردية في تركيا، والتي تحولت مع الوقت إلى جماعات قوية سياسياً واكتسبت شعبية. خلال هذه الفترة الزمنية، ظهر حزب العمال الكردستاني، الذي أعلنه أوجلان رسمياً كمنظمة ماركسية في أواخر عام ١٩٧٨، وادعى أن هدفه إقامة دولة كردية مستقلة.


تميز حزب العمال الكردستاني بتركيبته اليسارية الراديكالية، وقام الحزب بتجنيد أفراد من الطبقات الدنيا، واعتنق ممارسة العنف كجزء أساسي من أيدولوجيته السياسية، وأظهر الحزب في وقت مبكر رغبته في استخدام القوة ضد الأكراد الذين يُنظر إليهم على أنهم متعاونون مع الحكومة، وكذلك لم يتردد الحزب في ممارسة العنف ضد المنظمات الكردية ذات التاريخ النضالي الطويل من أجل إقامة دولة كردية مستقلة.


في عام ١٩٧٩، أصبح أوجلان قريباً من حزب البعث السوري، وغادر تركيا متوجهاَ إلى سوريا، حيث أقام حزب العمال الكردستاني علاقات مع التنظيمات الإرهابية الفلسطينية المسلحة. وفي أوائل الثمانينيات عقد الحزب صفقة مع الجماعات الفلسطينية لتقديم التدريب والدعم العسكري لهم. وفي تلك الأثناء أيضاً، ارتكب الحزب الديمقراطي الكردستاني خطأ فادح عندما سمح للعناصر المسلحة في حزب العمال الكردستاني بإنشاء معسكرات في جبال قنديل، والتي أطلق منها حزب العمال الكردستاني حملة مسلحة ضد تركيا في عام ١٩٨٤، وكان ذلك البداية لعقود من أعمال العنف التي ارتكبها حزب العمال الكردستاني في داخل تركيا، وفي أماكن أخرى في العالم.


قام حزب العمال الكردستاني لاحقاً بارتكاب أعمال إرهابية متكررة ونفذ عمليات حرب عصابات ضد مجموعة من الأهداف، بما في ذلك المنشآت الحكومية والمسؤولين والأتراك الذين يعيشون في المناطق الكردية في البلاد والأكراد المتهمين بالتعاون مع الحكومة والأجانب والبعثات الدبلوماسية التركية في الخارج.


وفي فترة التسعينيات، بدأ حزب العمال الكردستاني في تحويل أهدافه بعيدًا عن السعي وراء الاستقلال بشكل مباشر نحو (نظرياً) تحقيق الحكم الذاتي والمساواة في المعاملة داخل تركيا، وهنا بدأ أوجلان، على وجه الخصوص، في صياغة نظرية اجتماعية تخلى فيها عن مفهوم الدولة القومية المستقلة كحل للقضية الكردية.


وفقاً لـ حسين يلدريم، الذراع الأيمن السابق لـ أوجلان، فإن "أوجلان يسيطر على حزب العمال الكردستاني، بينما تسيطر الدولة العميقة على أوجلان"، وذكر يلدريم أن "أوجلان عقد اتفاق مع الدولة العميقة أثناء احتجازه في سجن إمرالي التركي لإنقاذ حياته"، وهذا ما أكده أوجلان بنفسه لاحقاً، وإن كان بشكل غير مباشر، عندما تحدث أمام المدعي العام في قضية تنظيم "أرجينيكون" (الذي كان يمثل الدولة العميقة في تركيا)، في يوم ٨ أغسطس ٢٠٠٨، عن أن الدولة العميقة تدعم العنف الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني، وأنه طالما بقيت الدولة العميقة، سيبقى حزب العمال الكردستاني، حتى وإن أصبحت تركيا دولة ديمقراطية.


ولمن لا يعرف، فإن محاكمات تنظيم "أرجينيكون" هي إحدى القضايا الشهيرة التي بدأ التحقيق فيها عام ٢٠٠٨ في تركيا مع مجموعة من جنرالات الجيش وقضاة وأكاديميين من النخبة العلمانية الرافضة لحكم حزب العدالة والتنمية القائم على الأيديولوجية الإسلامية، والذين نظموا أنفسهم في تنظيم سري اسموه "أرجينيكون"، وكان هدفهم نشر الفوضى من خلال تنفيذ تفجيرات واغتيالات في كل أنحاء تركيا، لإجبار الجيش على التدخل والإطاحة بحكومة أردوغان، الذي كان رئيس الوزراء آنذاك، على غرار تدخل الجيش أربع مرات في الخمسين سنة السابقة لهذه الأحداث من أجل الإطاحة بحكومات منتخبة لم تلتزم بالمبادئ العلمانية التي قامت عليها الدولة التركية.


وفي العام ٢٠٠٣، في سوريا، ظهر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كحزب "كردي" سوري لأول مرة، على الرغم من أن تشكيل أحزاب سياسية كان فعل مؤثم قانوناً في ظل حكم الحزب الواحد، حزب البعث. وقد رأت المخابرات السورية فيه مجرد إعادة هيكلة لأعضاء حزب العمال الكردستاني القدامى تحت قيادة محلية، وبالتالي قررت منحهم الدعم.


وفي العام ٢٠١٥، اعترف الرئيس السوري بشار الأسد، في مقابلة مع "بريتيش ديلي" بأن نظامه وفر السلاح لحزب الاتحاد الديمقراطي، قائلاً إن "الأكراد يقاتلون الإرهابيين مع الجيش السوري، في نفس المناطق، وهم مدعومون بشكل أساسي من الجيش السوري، ولدينا الوثائق"، وأضاف الأسد في نفس الحوار "أرسلنا لهم السلاح، لأنهم مواطنون سوريون ويريدون محاربة الإرهاب. نفعل الشيء نفسه مع مجموعات أخرى كثيرة في سوريا، لأنه لا يمكنك إرسال الجيش إلى كل جزء من سوريا. لذلك، ليس الأكراد وحدهم، هناك سوريون كثر يقومون بنفس الأمر."


لطالما كان الأكراد السوريين منخرطين في حزب العمال الكردستاني. وعلى الرغم من اضطهاد نظام الأسد للأكراد، إلا أنه شجعهم أيضًا على الانضمام إلى حزب العمال الكردستاني لصرفهم عن تطلعاتهم المحلية. ما يقدر بنحو سبعة إلى عشرة آلاف قد فعلوا ذلك. كما سمح النظام لحزب العمال الكردستاني بفتح مكتب في دمشق وإنشاء معسكرات تدريب في سهل البقاع اللبناني الخاضع للسيطرة السورية. وكان قد زعم محلل كردي بارز في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن أكثر من ثلث أعضاء حزب العمال الكردستاني سوريون.


في عام ٢٠١٢، أسس حزب العمال الكردستاني كيان اسمه "مجلس الشعب في غرب كردستان" وهو مجلس محلي منتخب يوفر الخدمات الاجتماعية للسكان. ثم تأسست "حركة المجتمع الديمقراطي" (TEV-DEM) كمنظمة جامعة تضم حزب الاتحاد الديمقراطي وحركات الشباب ومنظمات حزب العمال الكردستاني الأخرى، لكن مهمتها الأساسية كانت التفاوض على اتفاق تقاسم السلطة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وغيره من الأحزاب الداعمة للقضية الكردية، وهو الأمر الذي فشل في نهاية المطاف. لكن في الواقع، هذه المنظمات هي واجهات مختلفة لكيان واحد هو حزب الاتحاد الديمقراطي، وقد أربك هذا العدد الكبير من منظمات الواجهة الأكراد السوريين وساهم في عزوفهم عن ممارسة العمل السياسي. ومن جهتهم، أشار مسؤولون أميركيون إلى عدم وجود فارق حقيقي بين حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني.


+201283231074

  • facebook
  • twitter

Cairo, Egypt and Washington, DC

©2015-2021 Liberal Democracy Institute