هل تتخلى قطر عن الإخوان المسلمين؟



في زيارته الأولى إلى القاهرة، بعد ست سنوات من التوترات الدبلوماسية والمعارك الإعلامية بين مصر وقطر، حرص الأمير القطري، تميم بن حمد آل ثاني، على تهنئة نظيره المصري، الرئيس عبد الفتاح السيسي، بذكرى ثورة ٣٠ يونيو. أثارت البادرة الدبلوماسية الطيبة من قبل حاكم قطر، المعروف بدعمه لأجندة الإسلام السياسي في المنطقة، الكثير من التساؤلات حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، إذا قررت قطر في نهاية المطاف التخلي عنها، ارضاءاً لجيرانها من الدول العربية، خاصةً في منطقة الخليج.


تمثل ذكرى الثلاثين من يونيو حدثين محوريين بالنسبة للدولة المصرية الحالية. بدايةً، شهد هذا التاريخ، في عام ٢٠١٣، نزول المصريين إلى الشوارع في مسيرات شعبية واحتجاجات مليونية لرفض حكم الإخوان المسلمين ودعوة المؤسسة العسكرية لتولي زمام الأمور. بعد ثلاثة أيام من الاحتجاجات، اضطرت القوات المسلحة المصرية، بقيادة الفريق السيسي، الذي شغل منصب وزير الدفاع آنذاك، إلى الاستجابة لدعوات الناس بإجبار نظام الإخوان المسلمين على الاستجابة لمطالب الشعب والخروج من السلطة.


بعد عام واحد من هذا الحدث الجلل، في ذات التاريخ، تولى السيسي رئاسة البلاد بعد فوزه بأغلبية ساحقة في انتخابات رئاسية عقدت في ربيع عام ٢٠١٤، فيما اعتبره الشعب مكافأة مستحقة على دوره التاريخي في تخليص مصر من حكم الإخوان المسلمين. كما اعتبر الشعب أنه المرشح الأفضل، نظراً لخلفيته العسكرية ومساندة الجيش له، الذي يمكنه قيادة البلاد عبر النهضة الاقتصادية، مع ضمان حمايتها ضد أعمال العنف الانتقامية التي نظمها عناصر الإخوان المسلمون بين ٢٠١٣-٢٠١٥، ضد المواطنين المسيحيين، ورجال الشرطة، والمرافق الحكومية. مع الأسف، هناك تقارير ادعت أن قطر كانت أحد الممولين الكبار لأنشطة الإخوان العنيفة داخل مصر في ذلك التوقيت.


تم الترحيب بغالبية قادة الإخوان المسلمين، الذين فروا من مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو، بشكل أساسي في ثلاث مدن هي الدوحة واسطنبول ولندن، ومن هناك نظموا أنفسهم في شكل حركات سياسية ومنظمات مدنية مستقلة، زعم بعضهم أنهم يمثلون المعارضة السياسية المصرية، بينما وصف آخرون أنفسهم بالمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، للتغطية على حقيقة أنهم في الأساس يروجون أجندة الجماعة الخاصة بهم، وراحوا يجوبون المحافل الغربية، من واشنطن إلى بروكسل وجنيف، تحت هذا الستار، بهدف الضغط على المجتمع الدولي لعزل مصر سياسياً واقتصادياً عقاباً للسيسي، الذي أصبح الآن يمثل رأس الدولة، على مساعدة الشعب في التخلص من الإخوان.


مع الأسف، أيضاً، أشارت عدة تقارير لمراقبين محليين ودوليين إلى قطر باعتبارها الراعي والممول الرئيسي لأنشطة الإخوان المسلمين في هذا الصدد. في الواقع، كانت قناة الجزيرة المملوكة لقطر من بين وسائل الإعلام الأولى، في جميع أنحاء العالم، التي روجت لأن ثورة ٣٠ يونيو ضد حكم الإخوان كانت انقلاب عسكري وليس انتفاضة شعبية. على مدى سنوات، تحولت المنصة الإعلامية القطرية البارزة إلى ساحة مفتوحة لترويج مزاعم الإخوان عن الدولة المصرية للجمهور العربي والدولي. كما قامت قطر بتمويل بعض وسائل الإعلام التي كان اتباع الإخوان يديرونها من اسطنبول ولندن لمهاجمة الدولة المصرية والرئيس المصري.


في النهاية، شكلت مصر إلى جانب السعودية والإمارات والبحرين تحالف "الرباعي العربي" الذي كرس كل جهده وموارده لمحاربة جماعة الإخوان المسلمين والدول التي ترعى أو تمول أنشطتها، وعلى رأسهم قطر وتركيا، حيث كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من أقوى الداعمين لجماعة الإخوان، لدرجة أنه هاجم صراحة الرئيس المصري الحالي وهدد بمعاقبته انتقاماً لهم، وقد تسبب ذلك في شقاق سياسي عميق بين تركيا ومصر لم يتم رأبه حتى يومنا هذا، رغم كل محاولات البلدين وشركائهم الإقليمين لتحقيق هذه المصالحة في أسرع وقت.


كان من أكثر الإجراءات الصادمة التي اضطر الرباعي العربي أن يتخذها للسيطرة على جماعة الإخوان المسلمين، في ذلك الوقت، هو إعلان المقاطعة الدبلوماسية لقطر، في مايو ٢٠١٧، ما لم تتوقف عن دعم وتمويل جماعة الإخوان المسلمين وتغلق قناة الجزيرة والمنصات الإعلامية التابعة لها. استمرت المقاطعة العربية لقطر، التي وصفت فيما بعد بـ "أزمة الخليج"، لمدة أربع سنوات، حتى بادر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعمل المصالحة الخليجية من أجل جمع شتات العرب وتوحيدهم، في حدث بارز انتهى بتوقيع "اتفاق العلا" في السعودية، في يناير ٢٠٢١.


منذ ذلك الحين، أخذت علاقات قطر مع جميع جيرانها العرب، سيما مصر، في التحسن بشكل ملحوظ ومطرد. لم يقتصر الأمر على عودة قطر لضخ استثمارات ضخمة في أسواق السياحة والغاز الطبيعي في مصر وحسب، بل توقفت أيضًا عن تمويل وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان في إسطنبول، وبالتنسيق معها، اتخذت الحكومة التركية خطوات جادة لمنع العاملين في هذه المحطات الإعلامية، ويعيشون على أراضيها، من مواصلة الهجوم على الدولة المصرية أو الرئيس المصري، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت.


من الواضح أن قطر ومصر، وكذلك جميع الدول العربية الأخرى، أصبحت أكثر حرصاً على إعادة الاستقرار إلى المنطقة، خاصة في ظل إصرار إدارة الرئيس الأمريكي بايدن على الانسحاب من التعامل مع أو إعطاء الأولوية لقضايا الشرق الأوسط، خلافاً للرؤية التي تبناها أسلافه تجاه المنطقة. في غضون تلك التجربة، يبدو أن دول المنطقة تعلمت أن تعمل بشكل أكثر براجماتية في إدارة العلاقات فيما بينهم.


يعتبر أمير قطر، على الرغم من صغر سنه نسبيًا، من أمهر القادة السياسيين عندما يتعلق الأمر بوضع استراتيجيات طويلة المدى والمثابرة على تحقيقها وصولاً لنتائج ناجحة في النهاية. هو ليس بالشخص الذي يتصرف بشكل عشوائي أو باندفاع متأثراً بلحظة سياسية ما. من هذا المنطلق، هل نفترض أن الأمير تميم، وفق تحركاته الأخيرة تجاه مصر، يقوم حالياً بتغيير شامل في الاستراتيجية القديمة لبلاده، القائمة على دعم أنشطة جماعات الإسلام السياسي ضد الأنظمة السياسية الحاكمة في الدول العربية المجاورة، أم أن ما نراه حالياً هو مجرد تعديل جزئي لاستراتيجية قطر القديمة، استعدادًا لزيارة بايدن المرتقبة إلى المنطقة، في منتصف شهر يوليو؟


سوف أقف على الجانب المتفائل هذه المرة، وافترض أن الأمير تميم قد قرر بالفعل تغيير الاستراتيجية القديمة، التي لم تعد تخدم بلاده ولا حكمه بأي شكل حقيقي، إلى استراتيجية جديدة تعطي الأولوية للتعاون مع جيرانه العرب بدلاً من الصراعات والمنافسات المستمرة معهم. من ثم، فإن هذا النهج الجديد، بالإضافة إلى علاقات قطر الناجحة بالفعل مع دول الشرق الأوسط غير العربية مثل إيران وتركيا، سوف يضمن جعل قطر واحدة من أكثر الدول نفوذاً في الشرق الأوسط، ولكن بطريقة إيجابية هذه المرة.


اقرأه أيضاً على ليفانت