مذبحة رابعة: أكبر أكاذيب الإخوان المسلمين



في الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك، عاش ملايين المصريين مشاعر القلق والخوف والغضب الصعبة التي عشتها بنفسي في صيف ٢٠١٣، حيث جسدت الحلقة الخامسة من الدراما التليفزيونية "الاختيار٢" الأحداث المؤلمة التي وقعت أثناء فض ما يعرف باسم "اعتصام رابعة"، صباح يوم ١٤ أغسطس ٢٠١٣. اعتصام رابعة هو عبارة عن وكر كانت تختبأ فيه عناصر مسلحة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بين مئات الأشخاص العاديين الذين تم استقدامهم من قرى فقيرة تحت شعار واهم هو الدفاع عن الإسلام ضد الجيش المصري والمواطنين الذين ثاروا من أجل إسقاط نظام الإخوان المسلمين في ٣٠ يونيو ٢٠١٣.


تم توزيع هؤلاء البسطاء على معسكرين أحدهم في ميدان رابعة العدوية في القاهرة والأخر في ميدان النهضة في الجيزة. يروج الإخوان المسلمون للأحداث المروعة التي وقعت في هذا اليوم أثناء فض الاعتصام بسبب اشتباك عناصر مسلحة داخل الاعتصامات مع الشرطة المصرية، على أنها مذبحة ارتكبتها قوات الشرطة المصرية ضد من يسمون بالمتظاهرين السلميين في معسكرات الإخوان، والتقطت وسائل الإعلام الغربية المتعاطفة والمروجة لأكاذيب الإخوان هذا الكلام وروجت له تحت اسم "مذبحة رابعة". لكن مع مرور الأيام وتكشف الحقائق، ثبت أن هذه لم تكن سوى كذبة جديدة من أكاذيب الإخوان، وربما تكون أكبر أكاذيبهم على الإطلاق.


لو أن هناك مذبحة وقعت في هذا اليوم فهي كانت مذبحة ضد شعب مصر الذي ثار لإسقاط الإخوان، راح ضحيتها مئات الضباط والأفراد من قوات الشرطة، سواء أولئك الذين اشتبكوا مع مطلقي النيران من داخل رابعة للسيطرة على الموقف أو حتى هؤلاء الذين تم الاعتداء عليهم في مقار عملهم، مثلما حدث من تعذيب وقتل ضد الضباط الصائمين في قسم شرطة كرداسة، فضلاً عن عشرات الكنائس والممتلكات التابعة لمواطنين مسيحيين التي تم حرقها وتخريبها والاعتداء على أصحابها بدافع الانتقام الأعمى.


اعترافات أحمد المغير في أغسطس ٢٠١٦ هي أكبر دليل على أن الاعتصام كان مدجج بالأسلحة، ناهيك عن المنصة التي استخدموها في التحريض والتخطيط للعمليات التي كانت تنفذ في كل أنحاء مصر للانتقام من الشعب، في هذه الفترة وحدها، أي بين ٣٠ يونيو إلى ٢٥ ديسمبر ٢٠١٣، وثقنا في "الحملة الشعبية لإدراج الإخوان كتنظيم إرهابي دولياً" ما يقارب ٣٠٠ جريمة بين قتل وتخريب واشتباكات وحرائق طالت كنائس وأقسام شرطة ومواطنين أبرياء، أضف إلى ذلك ما كان يدور في سيناء بالتوازي مع هذه التجمعات وما زلنا نعاني من أثاره حتى اليوم، كما أن الشرطة بالفعل قبضت على عناصر من حماس داخل رابعة وكانوا يحملون السلاح ويقتلون به أفراد الشرطة.


صنع الإخوان تجمعات في رابعة والنهضة بهدف البحث عن مظلومية يستطيعون بها كسب تأييد دولي بعد سقوط حكمهم، وساقوا للمجتمع الدولي وقتها كثير من الأكاذيب عن أنه اعتصام سلمي، رغم أنهم منذ اللحظة الأولى استخدموا الأسلحة لفرض أنفسهم على سكان المنطقتين في الجيزة والقاهرة، ولعبوا أيضاً على المشاعر الدينية للبسطاء الذين أتوا بهم من كل حدب وصوب ليمكثوا في هذه التجمعات، خصوصاً أننا كنا في شهر رمضان وقتها.


كانت كل هذه الحقائق التي تدين جماعة الإخوان وتجعل منهم تنظيم إرهابي بدرجة امتياز، على وشك أن تتوه وسط الصراخ المنظم الذي علت به أصوات منظمات حقوقية دولية لترويج أكاذيب الإخوان وإظهارهم على أنهم ضحايا وليسوا معتدين، لولا شجاعة الكثير من المصريين الذين استغلوا كل وسائل التواصل التقليدية والاليكترونية لتعريف العالم بالحقيقة، ودحض أكاذيب الإخوان.


لقد شاركت في مراقبة عملية الفض كحقوقية مع بعض الزملاء، وأصدرنا وقتها تقرير كامل بوقائع الفض، وقد أبلغنا للمشاركة في المراقبة من جانب وزارة الداخلية نفسها، والتي قامت أيضاً بدعوة وسائل إعلام لتصوير الحدث، وهذا أكبر دليل على أن الشرطة وقوات الأمن لم تقم بأي عمل غير قانوني ولم يكن لديها أي نية في صناعة مذبحة كما يدعي الإخوان، بالعكس كل شيء تم وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية بخصوص تدخل الشرطة لفض التجمعات من هذا النوع، وقد قمنا بجمع هذه التقارير وترجمتها ونشرها وقتها في كل وسائل الإعلام المصرية والدولية.


ثم بعد ذلك أطلقنا حملة في أواخر أغسطس ٢٠١٣ بعنوان الحملة الشعبية لإدراج الإخوان كتنظيم إرهابي دولياً، قمنا خلالها بتوثيق جرائم الإخوان في حق المدنيين والشرطة ومؤسسات الدولة معتمدين على وثائق رسمية ومقاطع فيديو وصور واعترافات من داخل جماعة الإخوان نفسها، وقمنا خلال الفترة من يوليو ٢٠١٣ إلى نهاية ٢٠١٥ بتوثيق أكثر من ثلاثة ألاف جريمة ارتكبها الإخوان للانتقام من المصريين على إزاحتهم من الحكم، وقدمنا هذه الوثائق المترجمة إلى صناع القرار في أمريكا وبريطانيا وأوروبا والأمم المتحدة.


واستطعنا في وقت قياسي حشد عدد كبير من المؤيدين للحملة حول العالم، وتحريك ٤٩ طلب داخل الكونجرس الأمريكي وحده لإدراج الإخوان كتنظيم إرهابي في أمريكا، كما شاركنا بهذه الوثائق في التحقيقات البريطانية التي جرت بشأن الإخوان عام ٢٠١٤، ونجحنا في إدانتهم هناك قبل أن يتغير رئيس الوزراء وتأتي تيريزا ماي لتصلح علاقة بريطانيا مع الإخوان من جديد، وما زالت الحملة مستمرة حتى اليوم، لكن وسعنا نطاق عملنا ليشمل توثيق جرائم الإخوان وطرق انتشارهم عالمياً بهدف تحقيق هدفنا النهائي وهو حظر تلك الجماعة على المستوى الدولي في محاولة لمواجهة الانتشار الدولي للإخوان.


إن لعبة الإخوان مع المنظمات الدولية قديمة قدم العمل الحقوقي نفسه، فقد نجح الإخوان على مدار عقود في زرع عناصرهم داخل هذه المنظمات، الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بها ما لا يقل عن أثنين وعشرين منظمة تابعة للجماعة بأسماء مختلفة، ونفس الشيء في بريطانيا التي يعمل بها الإخوان عبر شبكة مكونة من ٤٨ منظمة خيرية وحقوقية، ناهيك عن الدعم المثير للاستفهام الذي تتمتع به الإخوان لدى منظمات حقوقية شهيرة وقديمة وتتمتع بمصداقية لدى الإعلام الغربي مثل هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية اللذين لم نرى وجهيهما الحقيقيين إلا من خلال تلك الحرب الشرسة التي قاداها ضد مصر بعد سقوط الإخوان.


هيومان رايتس ووتش تلك المنظمة العريقة قبلت بأن تتلقى أموالاً من رجال أعمال قطريين وأتراك من حزب أردوغان في هذا التوقيت لتضخيم الحدث وتصويره على أنه مجزرة وكارثة إنسانية، حسب ما علمناه من مصادرنا في المركز المصري لدراسات الديمقراطية الحرة، وواجهنا هيومان رايتس ووتش وطالبناها بنفي هذا الكلام، لكنها كانت دائماً تتجاهل مطالبنا وترفض التعليق، وحتى بعد اعترافات أحمد المغير عن تسليح رابعة، وتوثيقنا لجرائم الإخوان ضد شعب مصر في هذه الفترة وتقديمها لهيومن رايتس ووتش لتبرأ ساحة مصر من تقاريرها الكاذبة عن سلمية رابعة ومذبحة الشرطة، لم تكلف نفسها عناء الاعتذار.


أما منظمة العفو الدولية فقد كشفت تحقيقات بريطانية لاحقة في عام ٢٠١٥ أن المسؤولة الأولى عن ترويج أكاذيب الإخوان من خلال المنظمة وهي ياسمين حسين مدير قسم العقيدة والشرق الأوسط في العفو الدولية، هي نفسها إخوانية ومتزوجة من إخواني إماراتي مسجون حالياً على خلفية تحريضه على العنف وقلب نظام الحكم في الإمارات، ولها علاقات مشبوهة مع خيرت الشاطر وقيادات الإخوان في مصر وزارتهم أكثر من مرة قبل وصولهم للحكم في ٢٠١٢ للترتيب والتنسيق للترويج لهم دولياً.


لكن الإخوان لم يعتمدوا على هذه المنظمات وحدها، بل قاموا بإنشاء منظمات أخرى في مراكز القوة الخاصة بهم داخل أوروبا وأمريكا، فمثلاً من تركيا أسس عصام دراج ومها عزام كيان أسموه "المجلس الثوري المصري" خاض حرباً شرسة ضد مصر في الأمم المتحدة عام ٢٠١٤ أثناء المراجعة الدولية الشاملة لملف مصر في حقوق الإنسان.


وفي أمريكا أسس قيادات الإخوان هناك عدد من التحالفات على غرار "التحالف من أجل الشرعية" ولكن حملت أسماء جاذبة لصناع القرار هناك مثل "التحالف من أجل إنقاذ مصر" و"التحالف من أجل الحقوق والحريات"، وفي البداية أنخدع بهم صناع القرار في أوروبا وأمريكا، لكن سرعان ما اكتشفوا أن هذه لم تكن إلا كيانات وهمية لا وجود فعلي لها، وأنها تستغل الحديث عن الحقوق والحريات كستار لترويج أجندة الإخوان فتوقفوا عن لقائهم أو التعامل معهم.


كان الهدف الحقيقي من رابعة والنهضة هو افتعال حرب أهلية ينقسم بسببها الشعب على نفسه، ثم يؤدي ذلك بالضرورة لإضعاف مؤسسات الدولة وفقد سيطرتها على ما يجري، وبالتالي ينتشر مناخ من الفوضى وهو مناخ مثالي للإخوان والإرهابيين بشكل عام، لكن بفضل سيطرة الجيش وتدخل قوات الأمن في الوقت المناسب ووعي الشعب واحترامه لسيادة وهيبة دولته لم تنجح محاولات الإخوان في تحويل مصر إلى سوريا ثانية، وهذا في حد ذاته أمر يستحق الاحتفال في مثل هذا اليوم من كل عام.