الخطاب السلفي المتطرف يهدد سلامة المرأة المصرية



قبل أسبوعين، أصدر البرلمان المصري تشريعًا جديدًا يشدد العقوبة القانونية على من يمارسون جريمة ختان الإناث على الفتيات القاصرات، ممن لا حول لهم ولا قوة للدفاع عن أنفسهن. يعد هذا التشريع من أوائل المقترحات القانونية التي قدمتها الحكومة المصرية إلى مجلس النواب الجديد فور انعقاده في يناير، أملاً في القضاء على هذه العادة المؤذية وردع مرتكبيها. إلا أن الجدل الديني الذي دار داخل أروقة البرلمان طيلة أيام، قبل إصدار هذا التشريع الهام، كشف بشكل غير مباشر عن التهديد المتزايد على المرأة المصرية وحقوقها من قبل التيارات الإسلامية المتطرفة، وعلى رأسها الحركة السلفية، التي تحتل بعض المقاعد في البرلمان المصري وبالتالي تتمتع بسلطة التشريع وسن القوانين.


مع الأسف، تمارس جريمة الختان في مصر منذ قرون، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، على الرغم من كونها أحد أخطر انتهاكات حقوق المرأة ومن أكبر التهديدات لسلامتها، حيث لا يترك الختان أثار مدمرة على أجساد ونفوس الفتيات تبقى معهن طيلة حياتهن فقط، ولكن أيضًا بعض الفتيات فقدن حياتهن أثناء إجراء العملية. وفقًا لمسح الصحة العامة، الذي نشرته وزارة الصحة المصرية في عام ٢٠١٤، فإن ٩٢٪ من النساء المصريات تتراوح أعمارهن بين ١٧ و٤٩ سنة قد تعرضن للختان في طفولتهن. وتظهر إحصائية مهمة أخرى نشرتها منظمة يونيسف، في عام ٢٠١٥، أن ٨٧٪ من النساء المصريات في عمر ما بين ١٥ و٤٩ سنة قد تعرضن للختان. عادة ما يمارس الآباء أو أفراد الأسرة الأكبر سنًا هذا العدوان الجائر على بناتهن الذين لا تتجاوز أعمارهن ٧ إلى ٩ سنوات. وتنتشر هذه الممارسة على نطاق واسع في المدن الريفية، حيث ينخفض مستوى التعليم وتعلو نسبة الفقر، ويزداد تأثير السلفيين تحت الشعارات الدينية.


لأكثر من عقدين من الزمن، قادت الحكومات المصرية المتعاقبة حملات واسعة النطاق، عبر التوعية المجتمعية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، من أجل تثقيف العامة حول خطورة ممارسة ختان الإناث على حياة الفتيات وصحتهن الإنجابية في المستقبل. في عام ٢٠٠٨، حظرت الدولة المصرية رسميًا ممارسة الختان في المستشفيات والعيادات الطبية الخاصة. وفي وقت لاحق من العام نفسه، أصدر البرلمان قانونًا يحظر ممارسة الختان ويعاقب الأطباء وغيرهم من أفراد المهن الطبية الذين يتورطون في ممارسته.


بعد ذلك بعامين، دعمت مؤسسة الأزهر، أعلى سلطة دينية في العالم الإسلامي، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، جهود الحكومة في حظر ممارسة ختان الإناث، وأصدرت فتوى تؤكد أن "ختان الإناث هو عادة بغيضة ولا علاقة لها بالإسلام". لكن على الرغم من موقف الأزهر الواضح تماماً في هذه القضية، وعلى الرغم من حقيقة أن ختان الإناث يُمارسه عائلات مسلمة ومسيحية على حد سواء، إلا أن الحركة السلفية في مصر، والمعروفة بخطابها المتطرف، استمرت في الترويج، بين القواعد الشعبية المتأثرين بهم، أن ختان الإناث هو شعيرة إسلامية أمر بها النبي محمد لضمان عفة البنات ومنع انتشار الرذيلة في المجتمع. ومن المثير للسخرية أو ربما الغضب في نسب هذه الجريمة لنبي الإسلام، هو أنه لا توجد وثيقة واحدة في التراث الإسلامي تدل على أن النبي محمد قد أخضع بناته هو شخصياً لعملية الختان.


في أول برلمان انعقد بعد ثورة ٢٠١١، سيطر السلفيون، والإسلاميون الآخرون من جماعة الإخوان المسلمين، على الغالبية العظمى من مقاعد البرلمان. كان إلغاء قانون ٢٠٠٨ الذي يحظر ممارسة ختان الإناث هو على قمة أولويات هذا البرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون، في ذلك الوقت. والأسوأ من ذلك، أنهم حاولوا إصدار تشريع يسمح بتزويج الفتيات القاصرات في سن ١٢ سنة، أي مجرد طفلة، بما يخالف العقل والمنطق والطبيعة البشرية أيضاً. الحمد لله أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد حل مجلس النواب، لأسباب سياسية آنذاك، قبل أن يتمكنوا من تحويل أيديولوجيتهم المتطرفة إلى قوانين ملزمة للدولة والشعب كان من شأنها أن تعرض ملايين الفتيات المصريات لتهديدات جسيمة. وقد كان من المؤسف حقاً، أن نرى نفس هؤلاء السلفيين، بفكرهم المتطرف هذا، بعد أكثر من عشر سنوات، في مارس الجاري، يحاولون تعطيل البرلمان الحالي من تمرير التشريع الذي يشدد العقوبة على من يمارسون ختان الإناث، بإثارة نفس الجدل الديني حول المسألة.


يعدل التشريع الجديد الذي أقره البرلمان مؤخرًا مادتين في قانون العقوبات خاصتين بجريمة ختان الإناث. حيث رفع العقوبة على الأطباء والأفراد العاملين في المهن الطبية المتورطين في ممارسة ختان الإناث إلى السجن المشدد لمدد تتراوح بين سبعة وعشرين عاماً، بالإضافة إلى إلغاء ترخيص مزاولة مهنة الطب. كما أن التعديلات الجديدة شملت معاقبة أي شخص يطلب من طبيب أو غيره إجراء عملية الختان على فتاة، وهو عادة ما يكون أحد الأبوين، بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات. كما يجرم القانون أولئك الذين يروجون لعمليات ختان الإناث أو يشجعون على ممارستها.


إن الجدل الديني المتجدد حول الممارسة البغيضة لجريمة ختان الإناث يسلط الضوء على حقيقة أن الخطاب المتطرف للسلفيين وتأثيرهم الديني على القواعد الشعبية البسيطة، هو السبب الحقيقي في عدم تمكننا من القضاء على المشكلات المزمنة مثل ختان الإناث وزواج القاصرات، حتى يومنا هذا، ورغم كل الجهود التي تبذلها الدولة والسلطة التشريعية في هذا الشأن. وبالتالي، فإنه من المهم جداً أن تبذل الدولة ومنظمات المجتمع المدني الداعمة لها مزيدًا من الجهد باتجاه تقويض الخطاب المتطرف للسلفيين، والذي ينتشر على نطاق واسع في الأماكن الفقيرة والريفية، لضمان التزام المواطنين بتنفيذ القوانين التي تجرم هذه الممارسات الخطرة، وإلا بقيت هذه التشريعات رغم عظمتها مجرد كلام مكتوب على ورق، دون أن يكون لها أي أثر فعلي في تغيير الواقع.