إنهاء الحرب في اليمن والضغط على السعودية: خطوة من أجل استعادة صورة أمريكا في العالم


Photo is from Financial Times website (ft.com)

في عام ٢٠١٩، عندما سُئل جو بايدن عن ما الذي ينوي فعله بشأن علاقة الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية، قال: "سأوضح تمامًا أننا لن نبيع المزيد من الأسلحة لهم. سنجعلهم يدفعون الثمن، ونبقيهم، في الواقع، منبوذين حيث هم." والآن بعد أن أصبح بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، يبدو أنه بدأ بالفعل في اتخاذ الخطوات الأولى نحو تحقيق هذه الرؤية، حيث أعلن بايدن مؤخرًا أنه سينهي الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وسوف يوقف مؤقتًا مبيعات الأسلحة، والتي تقدر بمليارات الدولارات، إلى السعودية والإمارات، من أجل مراجعة بنود صفقات التسليح التي أبرمتها الإدارة السابقة.


هذه الخطوة هي واحدة من عدة خطوات اتخذتها إدارة بايدن، في الأسابيع الأخيرة، للتراجع عن أجندة السياسة الخارجية التي كانت تتبناها إدارة ترامب، بما في ذلك تفاقم الحرب في اليمن، والتي وصفها بايدن، في خطاب ألقاه مؤخرًا، في وزارة الخارجية الأمريكية، بأنها "كارثة إنسانية واستراتيجية". بالإضافة إلى ذلك، قررت إدارة بايدن خفض مبيعات الأسلحة الأمريكية للجيش السعودي، الذي يتمتع بدرجة عالية من التسليح ولكن يعاني من مشكلات في إدارته، نظراً لتسببها في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في اليمن. كما وجه بايدن برفع اسم ميليشيا الحوثي من تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو تصنيف يزعم العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان أنه يعيق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في اليمن. وبناءاً عليه، أعلن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، أن شطب الحوثيين من قائمة الإرهاب سيصبح ساريًا بشكل رسمي في ١٦ فبراير.


من الصعب التكهن بتأثير هذه القرارات على الحرب الدائرة في اليمن. في حين أن إدارة بايدن تولي أهمية قصوى لاعتماد الحوار الدبلوماسي وحماية حقوق الإنسان، باعتبارهما من السمات الأساسية لسياسة أمريكا الخارجية في الشرق الأوسط، فإن مليشيا الحوثي المدعومة من إيران لم تظهر أي رغبة في الدخول في مفاوضات. وعلى الرغم من أن الحرب التي تقودها السعودية في اليمن قد تسببت في خسائر وأضرار أكبر من الفائدة المرجوة منها، إلا أن الوقت وحده هو الذي سيخبرنا كيف سيؤثر قرار بايدن، الذي حظي بدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في التوصل لحل سياسي للأزمة في اليمن، والذي من المفترض أن تكون كل من السعودية والإمارات شركاء أساسيين فيه.


ولعل هذه الخطوة تشير إلى أن الأيام التي كانت تمنح فيها الإدارة الأمريكية السعودية "تصريح مفتوح" لممارسة انتهاكات حقوق الإنسان دون تعليق قد ولت. كتبت كارين يونغ، من مجلة فورين بوليسي، أن الولايات المتحدة "تعاملت مع السعودية على أنها حالة خاصة لعقود من الزمن، وقدمت الأعذار لسياساتها الداخلية السيئة، من أجل الحفاظ على شراكة تركز على النفط والأمن"، وقد شاركت إدارة ترامب بشكل خاص في "التخلي الكامل عن المبادئ الأمريكية بشأن قتل الصحفيين، وابتزاز رجال الأعمال، واختطاف رئيس الوزراء". لكن كان لسياسات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤخرًا، أثر مغاير بشأن أوضاع حقوق الإنسان في المملكة على عكس ما تعودنا عليه، حيث فتح ولي العهد المجتمع السعودي، وخاصة النساء على قدر غير مسبوق من الحريات، وحجم السلطات التي بموجبها يتدخل رجال الدين في الحياة الخاصة للمواطنين، لكن في نفس الوقت، لا يزال انتقاد الحكومة يعرض النشطاء والصحفيين للاعتقال والقمع، مثلما حدث في واقعة مقتل الصحفي جمال خاشقجي والتعذيب المزعوم في السجن للمدافعة عن حقوق الإنسان لجين الهذلول.


على الرغم من دعم من كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لقرارات بايدن بشأن السعودية والحرب في اليمن، فإن البعض داخل الحكومة الأمريكية يتوخى الحذر من الرد الضغاط المتزايد بشكل سريع على السعودية. في حين أن حكم آل سعود يشوبه الكثير من العيوب، إلا أن السعودية لا تزال شريكًا استراتيجيًا أساسيًا في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، ومن المحتمل أن يكون دعمها أمر ضروري لإنجاح أجندة بايدن في الشرق الأوسط. يشير فرانك جاردنر من بي بي سي إلى أن دولًا مثل روسيا والصين "ترغب في القيام بمزيد من الأعمال التجارية مع الرياض، ولا تثير أسئلة "محرجة" حول حقوق الإنسان".


ومع ذلك، أجد الخطوات التي اتخذتها إدارة بايدن لمحاسبة المملكة العربية السعودية على سجلها الحقوقي، وخاصة في اليمن، ضرورية ومشجعة. أولاً وقبل كل شيء، ساهمت الولايات المتحدة لفترة طويلة جدًا، حتى لو بشكل غير مباشر، في أكبر أزمة إنسانية في العالم، لذا يجب فعل أي شيء يمكن القيام به لوقف هذا الضرر. لكن تداعيات هذا الموقف تتجاوز اليمن أو السعودية، حيث جادل المراقبون بأنه في ظل إدارة ترامب، تخلت الولايات المتحدة عن دورها الرمزي كدولة رائدة للعالم الحر، نظرًا لتفضيل ترامب عقد شراكات مع الزعماء الاستبداديين، مثل فلاديمير بوتين، عوضاً عن الزعماء الديمقراطيين، مثل أنجيلا ميركل. في الواقع، بينما كان هناك تقدم مهم في الشرق الأوسط في عهد ترامب، وعلى الأخص في مسألة تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من دول الخليج العربي، فإن رئاسة ترامب قد لعبت دور كبير في الإضرار بصورة الولايات المتحدة في العالم، بأن تجاهلت ما فعلته الحكومة السعودية، ودافعت عنها ضمنيًا، في واقعة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، فضلاً على تحريض المتمردين على اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي، وهما مجرد مثالين على قرارات ترامب التي تستخدم الآن كدعاية مناهضة لأمريكا في الشرق الأوسط. لهذا فإن مثل تلك التحركات المضادة لأجندة وسياسة ترامب، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، ضرورية لاستعادة صورة الولايات المتحدة، بين الأعداء والحلفاء على حد سواء، وإعادة تقديم الولايات المتحدة من جديد كقوة دافعة لنشر قيم الديمقراطية في العالم.


بكل تأكيد، لا يمكنك تحديد نتيجة مباراة الشطرنج من التحركات الأولية للاعبين، ولكن يمكنك قراءة مدى القوة والحماسة التي يعتزم بها كل لاعب التعامل مع الطرف الآخر وإدارة اللعبة. يشغل بايدن منصب رئيس الولايات المتحدة منذ أقل من شهر، والقرارات الأولية القليلة التي اتخذها توحي بأنه سيتحدى السعودية بقوة، على عكس الموقف الودود الذي تبناه سلفه ترامب تجاه حكام المملكة. حان الدور الآن على السعودية لاختيار أفضل تحرك للرد وأفضل استراتيجية للتعامل مع الولايات المتحدة تحت إدارة بايدن.

+201283231074

  • facebook
  • twitter

Cairo, Egypt and Washington, DC

©2015-2021 Liberal Democracy Institute