شهران على حكم طالبان



في الخامس عشر من اغسطس الماضي، تم الاعلان رسمياً عن سيطرة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول، ووقوع الأراضي الافغانية تحت حكم طالبان لأول مرة منذ عشرين عام. صعود مفاجئ مثل هذا كان العنوان الرئيسي لمحطات الأخبار العالمية في الشهرين الماضيين. قد تتسائل من هم طالبان؟ الإجابة هم مجموعة من القبليين تحت أيديهم قوة عسكرية، ظهروا كتنظيم إسلامي متطرف في اواخر التسعينيات وسيطروا على الحكم في افغانستان في الفترة بين ١٩٩٦ إلى ٢٠٠١، عندما دخل الجيش الأمريكي ليحارب تنظيم القاعدة. هم يؤمنون بالأيديولوجية التي تسعى الى تطبيق حكم الشريعة الإسلامية في نظام حكم سياسي، وفق تفسيراتهم الخاطئة لمفهوم الشريعة وقوانينها، ولهذا كانوا سبباً رئيسياً في تدمير أفغانستان في الماضي. إن السبب الرئيسي لصعود طالبان المفاجئ للحكم من جديد قد يعود إلى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مخلفين وراءهم الجيش الأفغاني وحيداً في مواجهتهم، مما رفع الضغط على طالبان وأتاح لهم فرصة سهلة للسيطرة على البلاد.


صرّح المتحدث الرسمي لطالبان "ذبيح الله مجاهد" لوسائل إعلام دولية، بعد سيطرة طالبان على السلطة، بأن "طالبان تسعى لبناء المستقبل وتسعى لنسيان كل شيء حدث في الماضي"، كما أضاف أن طالبان لن تنتقم من المواطنين الأفغان الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة في العشرين سنة الماضية، بل سوف تعفو عنهم. وعندما تم سؤاله عن حقوق النساء، قال مجاهد إنه يرى النساء أخوات وأنه "سوف تتم معاملتهم نفس معاملة الرجال ولن يتم التفريق بينهم". تصريحات مثل هذه جعلت البعض يظن أن طالبان قد تغيرت وأن حكمهم لن يكون سيئاً كفترة التسعينات. رغم ذلك، هناك عدة أسئلة ما زالت بحاجة لإجابة عن تقييم حكم طالبان في الشهريين الماضيين، فهل نجحوا في استيعاب شعب عنيد مثل الشعب الافغاني؟ وهل التزموا بوعودهم، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق المرأة وحرية التعبير؟


حتى هذه اللحظة، المستوى المعيشي في أفغانستان في تدني مستمر، بسبب تهالك الاقتصاد الأفغاني بعد انقطاع المساعدات الخارجية، التي كانت تمثل ٤٠٪ من حجم اقتصاد الدولة. هذا الفشل الاقتصادي أدى إلى انتشار الفقر والجوع والاهمال الصحي، بشكل أصبح يهدد أرواح المواطنين هناك. بشكل عام، فإن الحال في افغانستان لا يدعو للتفاؤل على الإطلاق، في تناقض واضح مع ادعاءات ذبيح الله مجاهد، الذي أكد للجميع أن طالبان سوف تنقل افغانستان الى مرحلة جديدة من التطور والنمو الاقتصادي.


طالبان لم تفي بالوعود التي تحدث عنها مجاهد أمام المجتمع الدولي، إذ لم تظهر طالبان أي احترام لحقوق الانسان أو حقوق المرأة، خلال الشهرين الماضيين. نتحدث هنا عن القيود التي فرضتها طالبان على حرية الرأي والأعلام والرقابة القوية التي يعانها منها العاملين في قطاع الإعلام هناك. قيود مثل هذه أدت إلى وجود حالة من السخط في المجتمع الدولي وعلامات استفهام حول عدالة حكم طالبان. إن ما يفعله طالبان ببساطة هو منع نشر أي أخبار تعارضهم في الدولة ونشر فقط ما يصب لمصلحتهم. منذ وصول طالبان للحكم، أصبح الصحفيين في أفغانستان غير قادرين على ممارسة عملهم بطريقة أمنة، خوفاً من رميهم ف السجن بتهمة معارضة طالبان. في السادس من سبتمبر، خرجت العديد من التظاهرات ف مدن مختلفة في افغانستان مطالبة بحرية الصحافة وحرية الرأي. لكن، تم عرقلتها بسرعة وقامت طالبان باعتقال اغلب الصحفيين والنساء المشاركين في هذه المظاهرات. اعتقد أنه لا يوجد دولة في العالم باستطاعتها التطور والانتقال بمواطنيها إلى مستوى معيشي أفضل بهذه الطريقة. إن احترام حقوق الانسان هو من أولويات أي دولة تبغي التقدم في هذا العالم، أما فرض قيود مثل تلك التي تمارسها طالبان تناقض كلام مجاهد ووعوده الفارغة.


بالإضافة إلى ذلك، فإن تعامل طالبان مع حقوق المرأة خلال الشهرين الماضيين لم يكن مبشراً أيضاً. كان هناك عدة سياسات تم تنفيذها أدت إلى انتهاك حقوق المرأة. منذ سيطرة طالبان رسمياً على البلاد في الخامس عشر من اغسطس، لم تتوقف النساء في أفغانستان عن التظاهر في الشوارع رغم علمهم بما يعني ذلك من مخاطر على حياتهم، لكنهم يرون أن الجحيم الذي ينتظرهم تحت حكم طالبان أكبر خطراً وأشد ضرراً. عندما كان طالبان في الحكم بين ١٩٩٦ إلى ٢٠٠١، قاموا بمنع النساء والفتيات من أبسط حقوقهم في التعليم والعمل، وألزموا النساء في بعض المدن بعدم الخروج من بيوتهن. لهذا، فإن العيش تحت حكم طالبان مجدداً هو تجديد للسجن الذي سبق وعانت منه هؤلاء النساء. كما هو متوقع، قامت طالبان بمهاجمة المظاهرات النسائية، واعتقلوا عدد كبير من المتظاهرات، في انتهاك صارخ لحقوق المرأة والحق في التعبير. بالإضافة الى ذلك، لم يعد بإمكان المرأة في افغانستان ممارسة أي وظيفة يستطيع الرجال القيام بها أو فيها اختلاط مع رجال، ولهذا تم حصر الأعمال المتاحة لهن في التدريس للفتيات أو تقديم رعاية صحية للنساء. في الماضي القريب جداً، كانت المرأة الأفغانية معلمة وقاضية وسياسية، قبل أن يتم تسريحهن من أعمالهن بمجرد وصول طالبان للحكم. وفقاً لأحد قضاة المحكمة العليا في أفغانستان، فإن قضاة الدولة من النساء اصبحوا يختبئون في بيوتهن ولا يخرجون إطلاقاً خوفاً من طالبان، إذ أن حياتهن أصبحت في خطر بسبب مناصبهن السابقة.


في النهاية، مستقبل الشعب الافغاني لا يبدو مطمئناً على الإطلاق، ولا يبدو مشرقاً كما أدعى ذبيح الله مجاهد، قبل شهرين. لم تفي طالبان بوعودها حتى الآن، ولن تفي بها، بل على العكس كانت حركتهم سبباً في نقل البلاد إلى حال شديد السوء على المستوى الاقتصادي والإنساني. لا أظن أن هناك أي اختلاف بين طالبان ٢٠٠١ و طالبان ٢٠٢١، فخلال الفترة الماضية اثبتت طالبان الحديثة أنها النسخة الثانية من طالبان القديمة، و ليست نسخة جديدة كما يدعون. وبغض النظر عن الأسباب التي أوصلت أفغانستان إلى هذا الوضع المؤسف، يبقى المتضرر الأكبر من كل هذا هو الشعب الأفغاني الذي يعيش تحت حكم طالبان في ظروف أقل توصف به أنها قطعة من الجحيم.