هل تنصلح العلاقات بين تركيا والإمارات؟



ما زالت أصداء "بيان العلا" تتجلى في إعادة تشكيل التحالفات المهمة التي من شأنها تغيير وجه الشرق الأوسط في السنوات القادمة، لتصلح بذلك شروخ أضرت بالعلاقات بين أهم دول المنطقة، تكونت على إثر الأحداث الفوضوية التي واكبت وترتبت على ثورات الربيع العربي، قبل عشرة أعوام. تم توقيع بيان العلا في شهر يناير بين كل من قطر ودول الرباعي العربي، مصر والإمارات والسعودية والبحرين، الذين سبق أن قرروا مقاطعة قطر دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً، في منتصف عام ٢٠١٧، بسبب دعمها المستمر لجماعة الإخوان المسلمين وتعمدها استخدام أدوات إعلامية للإساءة إلى حكام دول الخليج ومصر، بشكل أضر بمصالح هذه الدول وشكل تهديداً على الاستقرار والأمن القومي في بعض منها.


منذ توقيع بيان العلا، بدأت العلاقات بين قطر وكل من السعودية ومصر تأخذ منحى جيد وبشكل سريع. في مصر مثلاً، عادت المشاريع الاستثمارية القطرية للعمل بعد أن تم تجميدها لسنوات بسبب المقاطعة، كما عادت أيضاً اللقاءات الدبلوماسية والسياسية بين كبار المسؤولين في مصر وقطر تتم بوتيرة أسرع، حتى أن الرئيس السيسي تلقى اتصال وبرقية من الأمير تميم في خلال الأسبوعين الماضيين فقط، وهو أمر لم يحدث منذ أكثر من ست سنوات. بدأت قطر أيضاً تلعب دوراً ليس بالبسيط في تقريب وجهات النظر بين الدول العربية وتركيا، في محاولة لرد الجميل لتركيا التي وقفت بجانبها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً أثناء فترة المقاطعة العربية.


مثلما كانت تعاني قطر من العزلة في محيطها العربي قبل المصالحة الخليجية، تعاني تركيا حالياً من توترات سياسية وعسكرية، في محيطها الأوروبي والمتوسطي، تركت أثاراً سلبية على الاقتصاد التركي ومن ثم على استقرار الأوضاع السياسية داخل البلاد، وبذلك أصبحت التحالفات العربية هي الملاذ الباقي للقيادة السياسية في تركيا للخروج من أزمتها الاقتصادية والعزلة التي تسعى أوروبا لوضع تركيا فيها.


في المقابل، فإن التحالف العربي مع تركيا سيكون أيضاً مفيداً بشكل عام لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط الكبير، خصوصاً بعد خطط الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والعراق، التي بدأت إدارة الرئيس بايدن بتنفيذها هذا الشهر، وقد يساعد التحالف العربي التركي أيضاً في خدمة المصالح الاقتصادية لدول المنطقة، حيث يمكن ربط منطقة الخليج وشمال أفريقيا مع أوروبا ومنطقة أوراسيا بشكل غير مسبوق.


من المؤكد أن الشكل الذي سوف يستقر عليه تحالفات تركيا مع دول بعينها في المنطقة العربية، هو الذي سيحدد مراكز القوى الجديدة في الشرق الأوسط، بما سيكون له بالغ التأثير على مستقبل أفريقيا وأوروبا أيضاً، نظراً لكون مصر التي تمثل بوابة أفريقيا، وتركيا التي تمثل بوابة أوروبا، هما أطراف لا يمكن الاستغناء عن أي منهما ضمن هذه التحالفات. يبدو أن التقارب المصري التركي الذي يمهد لعودة العلاقات بشكل طبيعي بين تركيا ومصر، في الوقت الحالي، سيعجل بتشكيل هذه التحالفات، خصوصاً أن تركيا تقوم بالفعل ببذل مجهود تجاه إنهاء القطيعة الدبلوماسية بينها وبين كل من السعودية والإمارات.


لقد نجحت تركيا حتى الآن في استمالة مصر والسعودية إلى جانبها بدرجة كبيرة، وأبدت مصر مؤخراً الرغبة في تحسين العلاقات مع تركيا أيضاً، وذكر وزير الخارجية التركي أن زيارات تمهيدية سوف تحدث في مطلع شهر مايو يليها زيارات على مستوى دبلوماسي رفيع سوف تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد أشهر من المفاوضات غير العلنية بين الطرفين، نتج عنها أن قررت تركيا التوقف عن رعاية ودعم العناصر الهاربة من جماعة الإخوان المسلمين وأعوانهم، الذين اتخذوا من إسطنبول مقراً للهجوم على الدولة المصرية، فضلاً عن بعض العناصر المنتمين للمليشيات المسلحة التابعة لجماعة الإخوان، والذين قاموا بتنفيذ عمليات اغتيال مسؤولين كبار في مصر في السنوات الماضية.


لكن يبقى التحدي الأصعب أمام تركيا هو أن تستعيد علاقتها مع دولة الإمارات، حيث أن كل من مصر والسعودية لن يتمكنوا من عمل علاقات دائمة ومستقرة مع تركيا بينما شقيقتهم الثالثة الإمارات ما زالت على خلاف معها. ويعد هذا تحدي صعب نظراً لما بين تركيا والإمارات من خلافات ممتدة لأكثر من ثمانية سنوات، بدأت بدعم تركيا لثورات الربيع العربي التي رفضتها وتصدت لها الإمارات، وتطور هذا الخلاف فيما بعد بسبب دعم تركيا لجماعة الإخوان المسلمين بالمشاركة مع قطر، ووصل الخلاف ذروته في السنوات الأخيرة بعد المقاطعة العربية لقطر، واستخدام تركيا أدواتها الإعلامية واتصالاتها الدولية للإضرار بمصالح الإمارات انتقاماً لقطر. تطور العراك بين تركيا والإمارات لدرجة مقلقة، في السنتين الأخيرتين، تخطت حدود الحروب الإعلامية التقليدية، لتصل إلى تهديدات ضد أبو ظبي على لسان وزير الدفاع التركي، على خلفية تدخل كل من الإمارات وتركيا في ليبيا دعماً لطرفين متنازعين، ما تسبب في قيام الإمارات باستعراض قوتها العسكرية بالقرب من الحدود التركية في تدريبات عسكرية مشتركة مع اليونان.


قد تكون المكالمة التي أجراها وزير الخارجية التركي قبل أيام قليلة مع وزير الخارجية الإماراتي هي بداية لفتح هذه الصفحة الجديدة بين البلدين ومن ثم بين العرب وتركيا، خصوصاً أنها أتت بالتوازي مع زيارة قام بها سمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، إلى القاهرة لتناول الإفطار مع الرئيس السيسي والتباحث حول بعض القضايا الإقليمية، والتي من المؤكد كان من بينها الأوضاع في ليبيا والبحر المتوسط والمصالحة المصرية التركية، وبطبيعة الحال كانت تركيا في القلب من كل هذه المحادثات.


لأن في السياسة كل شيء ممكن، ننتظر ونرى ما تسفر عنه الأيام القادمة.


اقرأه أيضاً على تركيا الآن