• داليا زيادة

هل آن للشعب التركي أن ينتفض لإسقاط أردوغان؟



تكتظ صحف العالم باسم الرئيس التركي، سيء السمعة، رجب طيب أردوغان، في أخبار مصحوبة بالكثير من علامات الاستفهام والتعجب، يلحقها كثير من الصمت والتخاذل من جانب المجتمع الدولي، عن تحركاته الاستعمارية غير المشروعة تجاه دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولم يعد أحد في الشرق ولا في الغرب يستطيع أن ينكر أن أردوغان وحزبه المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة كتنظيم إرهابي لدى العديد من دول العالم، هو الراعي الأكبر بتمويل سخي من قطر، للتنظيمات الإرهابية التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط وأوروبا، وأصبح خبراً عادياً ومتكرراً في أروقة السياسة الدولية أن نسمع عن شراكات اقتصادية بين نظام إردوغان وتنظيم داعش الإرهابي، الذي يسرق ثروات الشام ويبيعها له لقاء الحصول على الأموال التي يستخدمها التنظيم في استباحة وقتل الأبرياء في سوريا والعراق، وهم الذين لم يرحمهم أردوغان نفسه، حين استخدم الجيش التركي بدم بارد في عمليات تطهير عرقي في الشمال السوري، نهاية العام الماضي.

إلا أن البطش الأعظم الذي يمارسه أردوغان بشكل يومي ضد الشعب التركي لم ينل القدر الكافي من الاهتمام الدولي، على المستوى الإعلامي أو السياسي، إلا مؤخراً، فيما يعد طاقة أمل يجب على الشعب التركي الغاضب استغلالها في استئناف الحراك السياسي المقاوم لتلك الجماعة الإرهابية التي احتلت رأس الحكم في تركيا، ذات غفلة، تحت راية الديمقراطية، التي ما أن وصل أردوغان للحكم إلا ودمرها تدميراً، عبر التلاعب بنصوص الدساتير والقوانين، ليعطي لنفسه سلطات واسعة مكنته من ممارسة كل أشكال القمع المباشر ضد الشعب التركي، واستغلال موارد وثروات تركيا في تحقيق تطلعات جماعته وحزبه، لدرجة هبطت بالاقتصاد التركي إلى حالة مزرية من الفقر ونقص الموارد، ووصلت نسبة البطالة إلى ١٣.٧٪ في نهاية عام ٢٠١٩، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة في نهاية العام الجاري.

فقد ناقش مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في شهر يناير، ملف حقوق الإنسان في تركيا، ضمن إجراءات المراجعة الدورية الشاملة التي تناقش وتقيم حالة حقوق الإنسان لدى الدول الأعضاء بشكل دوري مرة كل أربع سنوات ونصف. تعرضت تركيا أثناء الجلسة لمناقشة حادة من الدول والمنظمات الحقوقية المشاركة في الجلسة، حتى أنها تحولت لما يشبه جلسة استجواب أو محاكمة، تعبيراً عن مقدار الغضب الدولي تجاه الحالة المتردية لحقوق الإنسان داخل تركيا وضد نظام أردوغان السادي.

وانتهت الجلسة التي استمرت فوق الثلاث ساعات إلى إعلان ٤٥٥ توصية بتحسين حالة حقوق الإنسان في تركيا، وهو عدد ضخم ربما لم تحصل عليه أي دولة قبل تركيا طوال تاريخ تنفيذ هذه الألية الأممية الهامة. وكانت أبرز التوصيات، التي أبدت تركيا تجاهلاً واضحاً تجاهها، يتمثل في إدانة الممارسات القمعية والاعتقالات التعسفية والتعذيب الممنهج والقتل خارج إطار القانون، التي يمارسها النظام بدم بارد ضد المواطنين، خصوصاً العاملين بالصحافة وأصحاب الرأي والشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قام إردوغان منذ بضعة سنوات بحجبها ضمن عدد كبير آخر من المواقع الإخبارية الدولية.

وفي مارس، أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم، وخصصت لتركيا فصلاً مطولاً، يصف الوضع المأساوي لحقوق الإنسان في تركيا، والذي وصل ذروته عقب محاولة الانقلاب التي أدعى أردوغان تعرضه لها قبل بضعة سنوات، وركز التقرير الأمريكي على بشاعة النظام التركي في استغلال القوانين لتبرير قمع المواطنين وانتهاك الحقوق والحريات الأساسية، خصوصاً ما يعرف بـ "قانون الإرهاب" والذي أصدره أردوغان بالتوازي مع إعلان حالة الطوارئ عقب محاولة الانقلاب المزعومة، فقط ليستخدمه في ملاحقة المعارضين السياسيين وأصحاب الرأي الذين يرفضون سياساته الداخلية والخارجية.

ويا لقسوة المشهد الذي سمح للراعي الأول للتنظيمات الإرهابية في العالم أن يتهم الصحفيين وأصحاب الرأي بممارسة الإرهاب، ويودعهم السجون والمعتقلات لسنوات دون محاكمة، تحت صمت من المجتمع الدولي، يتخلله أحياناً بعض مظاهر التعاطف الذي لا يثمر عن أي تحرك حقيقي وحاسم ضد أردوغان.

ولم تقتصر الانتهاكات التي ارتكبها أردوغان ونظامه على قضايا الاعتقالات والقتل والحبس التعسفي والإخفاء القسري، وملاحقة الصحفيين وحجب المواقع من أجل التضييق على الحق في حرية التعبير، وكذلك انتهاك حقوق المرأة، بل امتدت أيضًا إلى ممارسة الفساد المالي والإداري، عبر شبكة من الشركات التي يديرها ابن أردوغان، تعمل من داخل تركيا وفي مدن متفرقة في أوروبا، تقوم بغسل الأموال لصالح أنشطة النظام التركي الهادفة إلى تمويل ودعم التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، من أول تنظيم داعش وحتى جماعة الإخوان المسلمين.

لكن، وبرغم معرفة العالم بهذه الانتهاكات التي لم يعد أردوغان ولا نظامه يخشى من محاسبته عليها، وبرغم إقرار الكثير من الجهات الدولية المهمة بها، مثل هذا التقرير الصادر عن الخارجية الأمريكية وقبله بشهرين فقط تقرير المراجعة الدورية الشاملة بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ما زال المجتمع الدولي ممتنع عن اتخاذ موقف حاسم ضد أردوغان ونظامه السادي، خوفاً على مصالحهم الإقليمية والاقتصادية والأمنية مع تركيا، خصوصًا في ظل حالة الخلل السياسي والأمني والاقتصادي المستمرة التي تعاني منها أغلب دول الشرق الأوسط التي من الممكن أن تلعب دور الشريك البديل لتركيا بالنسبة للدول العظمى.

وربما لن يتغير هذا الوضع المؤسف إلا بتحرك سياسي شعبي جديد من داخل تركيا للمطالبة بإسقاط إردوغان، على غرار ما حدث في الأعوام ٢٠١٢-٢٠١٤، وهناك احتمال كبير أن يحظى هذا الحراك الشعبي، إن تم بشكل منظم ومحسوب العواقب هذه المرة، بتأييد قوي من الجيش التركي الذي أنهكه أردوغان في حروب خارجية لا مبرر لها، وكذلك تأييد المجتمع الدولي الذي ضاق ذرعاً بجنون أردوغان وعدم اكتراثه بالأعراف والمواثيق الدولية واحترام سيادة الدول.

يبقى فقط أن تلتقط المعارضة السياسية في تركيا هذه الفرصة الذهبية المتاحة الآن لتشجيع الشعب على كسر حاجز الخوف الذي بناه أردوغان خلال السنوات القليلة الماضية، ومن ثم المشاركة بإيجابية والتعبير عن موقفه عبر وسائل المقاومة غير العنيفة التي أثبتت فعاليتها وتأثيرها القوي حول العالم.

داليا زيادة - أردوغان - تركيا - حقوق الإنسان - الثورة التركية - الديمقراطية - داعش - الإرهاب

+201283231074

  • facebook
  • twitter

Cairo, Egypt

©2015-2020 LIBERAL DEMOCRACY INSTITUTE