أسبوع الصعيد.. بوابة مصر إلى أفريقيا



تشهد محافظات الصعيد الإحدى عشرة حالة غير مسبوقة من النمو الاجتماعي والنهضة الاقتصادية، بينما يختتم الرئيس عبد الفتاح السيسي عام ٢٠٢١، بنشاط كبير يتمثل في تدشين عشرات المشروعات التنموية، التي تتنوع بين مشروعات طاقة لإنتاج الوقود والكهرباء والاستفادة من ثروات الطاقة النظيفة التي يمتلكها الصعيد، إلى مشروعات ضخمة لتطوير البنية التحتية للطرق وبناء محطات تحلية مياه، وحتى تأسيس مستشفيات متخصصة تقدم الرعاية الصحية بمستوى لائق للمواطنين في القرى والنجوع البعيدة.


تأتي هذه المشاريع الهامة ضمن الاستراتيجية الوطنية لتنمية الريف، التي تم الإعلان عنها في وقت سابق هذا العام، بميزانية تقدر بسبعمائة مليار جنيه، يتم استثمارها بشكل أساسي في تطوير البنية التحتية اللازمة لتوفير المياه ومصادر الطاقة إلى سكان القرى الريفية، في جميع أنحاء مصر، بالإضافة إلى تحديث وبناء شبكات الصرف الصحي، وتحسين خدمات الطرق.


من الناحية الجغرافية، يغطي الصعيد ما لا يقل عن ثلثي مساحة مصر. من الناحية الديموغرافية، يمثل سكان الصعيد، أكثر من ٦٥٪ من إجمالي سكان مصر. اقتصادياً، تساهم محافظات صعيد مصر، مجتمعة، بأكثر من نصف الإنتاج الزراعي في مصر، والذي يبلغ ٢٧,٦ مليار دولار أمريكي سنويًا، مما يضع مصر في المرتبة الثالثة في إفريقيا والأولى بين جميع الدول العربية، من حيث الإنتاجية الزراعية. وفوق كل ذلك، فإن معظم المعالم السياحية والآثار الفرعونية التي تمتلكها مصر موجودة في الصعيد.


رغم هذه الحقائق، فإن محافظات الصعيد تعاني منذ عقود من نقص الخدمات الأساسية أو مشروعات التنمية. أدى ذلك إلى انتشار الفقر والأمية الذي سمح بدوره لجماعات الإسلام السياسي والمنظمات الإرهابية وعصابات تجارة المخدرات والسلاح بالسيطرة على المنطقة الثرية بطبيعتها، وتهميش سلطة الدولة عليها لفترات طويلة من الزمن.


في ضوء هذه الحقائق، من المتوقع أن تساهم مشاريع السيسي التنموية في المناطق الريفية، وخاصة في الصعيد، في تعزيز الاقتصاد والحالة الأمنية في مصر بوجه عام. من ناحية، سوف تساعد هذه المشاريع على إعادة التوازن للتوزيع الديموغرافي للسكان بين المدن الحضرية والريفية، حيث سيرغب عدد أقل من المواطنين في القرى الأفقر أو الأقل تطوراً، في مغادرتها والهجرة داخلياً إلى العاصمة القاهرة، أو الهجرة خارجياً إلى أوروبا. وهذا بدوره سيساهم بشكل غير مباشر في حل مشكلة الهجرة غير الشرعية، التي تبذل الدولة وأجهزتها الأمنية مجهودات جبارة منذ فترة، في السيطرة عليها، مما سيعيد تشكيل العلاقة بين مصر وجيرانها على الشاطئ الأخر من البحر المتوسط، وفي أوروبا كلها.


من ناحية أخرى، فإن أهم نتائج هذه المشاريع الوطنية الهامة يتمثل في محاربة الإسلاميين المتطرفين والتنظيمات الإرهابية، التي وجدت في معاناة أهل الصعيد وتهميشهم تربة خصبة لبث أفكارهم المسمومة وتجنيد الشباب اليائس. فقد أتاحت الفجوة التنموية الضخمة بين العاصمة القاهرة والمحافظات الريفية الأخرى، سواء شمالاً في منطقة الدلتا أو جنوباً في منطقة الصعيد، ظهور تنظيمات الإسلام السياسي المتطرفة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي لعبت على حاجة أهل القرى في مواكبة الحياة الصاخبة للنخبة السياسية والاجتماعية في القاهرة. وفيما بعد، بنت الجماعات الجهادية المتطرفة، مثل الجماعة الإسلامية، على خطاب الإخوان المسلمين لتجنيد الإرهابيين من بين الشباب الذين يعيشون في هذه القرى.


يزيد على كل ما سبق ذكره، حقيقة أن بند تنمية قطاع الطاقة في المشروعات التي تقوم بها الدولة الآن في الصعيد، له أهمية استراتيجية عظيمة تتجاوز تلبية احتياجات محافظات الصعيد من مصادر الطاقة، إلى ربط مصر بجيرانها في شرق ووسط إفريقيا. أحد هذه المشاريع هو مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان. عند اكتماله، من المتوقع أن يصبح المجمع أحد أكبر حقول توليد الطاقة النظيفة في العالم. يعد هذا المشروع تحديداً، بالإضافة إلى مشروع رفع قدرة شركة أسيوط للتكرير لزيادة قدرتها على إنتاج الوقود، بمثابة عملية استراتيجية لتحويل الصعيد، على المدى المنظور، إلى محور لتصدير الكهرباء والمنتجات البترولية إلى أفريقيا؛ بالطريقة نفسها التي أصبحت بها منطقة الدلتا الآن، هي محور لتصدير الغاز والكهرباء من مصر إلى دول البحر المتوسط، وأوروبا، وتركيا.


من هذا المنطلق، تكمن الأهمية الجيو-استراتيجية لأسبوع الصعيد الذي يقوده الرئيس السيسي في قدرته على تحديد مستقبل العلاقات الخارجية لمصر، بطريقة قد تحل تلقائيًا بعض المشكلات الجيو-سياسية المزمنة والمعقدة التي تواجهها مصر مع بعض جيرانها في إفريقيا.


اقرأه أيضاً على المدار