حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية في العلاقات المصرية الأمريكية



ستبقى قضية حقوق الإنسان دائمًا نقطة محورية في السياسة الخارجية لأمريكا في الشرق الأوسط، بشكل عام، وفي العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، بشكل خاص. قال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في خطابه التاريخي في جامعة القاهرة، عام ٢٠٠٩، إن قيم حقوق الإنسان ليست قيمًا أمريكية فحسب، بل هي قيم إنسانية تصمم الولايات المتحدة على الدفاع عنها وتعزيزها في جميع أنحاء العالم. لكن، معظم الأساليب التي اعتمدتها الإدارات الأمريكية السابقة لمعالجة هذه القضية الحرجة والمعقدة مع مصر، ودول عربية أخرى، أدت إلى مشاكل أكثر من المكاسب. وينطبق هذا بشكل خاص على الحالات القليلة التي قامت فيها الولايات المتحدة بالخلط بين حزمة المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لمصر وقضايا حقوق الإنسان للضغط على القيادة المصرية من أجل تحقيق أهداف سياسية معينة.


على سبيل المثال، هددت الإدارة الجمهورية للرئيس جورج بوش، في عام ٢٠٠٥، بقطع جزء من حزمة المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية السنوية المستحقة لمصر، إذا لم يقم الرئيس مبارك، الذي كان يحكم البلاد آنذاك، بإتاحة مساحة في البرلمان لجماعة الإخوان المسلمين، الذين قدموا أنفسهم للمجتمع الدولي كمعارضين سياسيين، في ذلك الوقت. ونتيجة لذلك، اكتسب الإخوان المسلمون والسلفيون المتطرفون نفوذ اجتماعي وثقافي وسياسي أكبر داخل مصر، بينما حدث شلل في العلاقة بين مصر والولايات المتحدة لفترة أربع سنوات، إلى حين تم استبدال بوش بأوباما في عام ٢٠٠٩، مما أعاق بشكل كبير دور الولايات المتحدة ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط.


بعد عشر سنوات، قاد خلالها المصريون ثورتين ناجحتين أسقطتا نظام مبارك الاستبدادي، في عام ٢٠١١، ونظام الإخوان المسلمين الثيوقراطي، في عام ٢٠١٣، لعبت الإدارة الأمريكية للرئيس باراك أوباما نفس اللعبة الخطيرة بخلط المساعدات العسكرية بملف حقوق الإنسان، للضغط على الرئيس السيسي. ومثلما سبق وحدث مع الرئيس بوش، جاءت خطوة إدارة أوباما بنتائج عكسية، حيث ألحقت أضرارًا جسيمة بالنفوذ السياسي والعسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، بينما في المقابل لم ينتج عنها أي إصلاحات ملموسة في مجال حقوق الإنسان، كنتيجة مباشرة لهذا الضغط.


على مدى العقود الأربعة الماضية، اعتمدت مصر، بشكل شبه حصري، على الولايات المتحدة في التسليح، حيث تتلقى مصر حزمة مساعدات اقتصادية وعسكرية سنوية من الولايات المتحدة قدرها ١,٣ مليار دولار، بموجب اتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩. بعد أشهر قليلة من إزاحة نظام الإخوان المسلمين من السلطة، في عام ٢٠١٣، قررت إدارة أوباما تجميد المساعدات العسكرية لمصر، وبالطبع أثر ذلك على قدرة مصر على شراء المعدات العسكرية التي تحتاجها، ثم تم رفع تجميد المساعدات جزئيًا في عام ٢٠١٥، ثم عاد تطبيقه مرة أخرى في عام ٢٠١٦، ثم رفع مرة أخرى في عام ٢٠١٨، بعد أن تولى ترامب الرئاسة.


في خضم ذلك، وجدت مصر نفسها مضطرة للتخلي عن الولايات المتحدة كحليف عسكري حصري لها، وقررت أن تنوع مصادر التسليح الخاصة بها لتجنب عواقب سوء استخدام الولايات المتحدة للمساعدات العسكرية في ممارسة الضغوط السياسية. اليوم، يشمل المصدرون العسكريون والحلفاء لمصر كل من روسيا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا وإيطاليا. وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، احتلت مصر المرتبة الثالثة بين أكبر ٢٥ مستورد للأسلحة في العالم في عام ٢٠١٩.


يجب أن تحذر الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس جوزيف بايدن من تكرار نفس الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات السابقة أثناء معالجة قضية حقوق الإنسان مع الدولة المصرية. حاليًا، هناك العديد من الأصوات الإعلامية، التي يعتقد أنها تعمل تحت إمرة جماعة الإخوان المسلمين، تطالب إدارة بايدن بقطع أو تجميد حزمة المساعدات العسكرية المستحقة لمصر، هذا العام. كما هو متوقع، تستند هذه الدعوات إلى مزاعم عشوائية وغير مثبتة في الغالب بأن النظام المصري يرتكب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان في حق الشعب المصري.


في مؤتمر صحفي لوزارة الخارجية الأمريكية، في ١١ مارس، تلقى نيد برايس، المتحدث باسم الوزارة، سؤالاً مفخخاً، حاولت فيه السائلة دفع إدارة بايدن للوقوع في هذا الفخ الخطير. لم تكن مداخلة الصحفية عبارة عن سؤال، ولكن هجوم على إدارة بايدن، لإعلانها سابقًا أن بيع الأسلحة لمصر لا يتعارض مع التزام الولايات المتحدة بتعزيز حقوق الإنسان حول العالم، وضغطت الصحفية على برايس بشكل صريح ليقول بأن الولايات المتحدة ستجمد المساعدات العسكرية لمصر.


كانت إجابة برايس حكيمة ومتوازنة، حيث أكد أن الولايات المتحدة تعمل مع الدولة المصرية في هذا الشأن دون أن يؤثر ذلك على العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة للبلدين. قال برايس: "تلعب مصر دورًا مهمًا في تعزيز بعض مصالحنا الرئيسية في المنطقة: الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال الإشراف على قناة السويس، التعاون في مكافحة الإرهاب، وقيادتها لعلمية تعزيز السلام في الشرق الأوسط. لقد أتيحت الفرصة للوزير بلينكن لمناقشة بعض هذه القضايا مع نظيره المصري وزير الخارجية شكري".


أما الصحفية، التي ادعت زوراً أن نظام السيسي يقوم بشكل منهجي "بقمع وتعذيب شعبه"، فقد قالت إنها عادت لتوها من مصر بقائمة تضم ٢٢ اسمًا لأفراد أمريكيين "اعتقلتهم السلطات المصرية أو تم الإفراج عنهم ويواجهون حاليًا تهماً ذات دوافع سياسية". والغريب في هذا الادعاء، أنها بالفعل كانت في مصر ومعها هذه الأسماء، لكنها لم تكلف نفسها عناء القيام بعملها كصحفية والاتصال بالسلطات الأمنية المصرية ذات الصلة، أو الاتصال بالسفارة الأمريكية، للتدخل من أجل إنقاذ الـ ٢٢ أمريكي التي تتحدث عنهم. ولكن بدلاً من ذلك ذهبت بهذا الادعاء المشوش وغير المثبت وغير المنطقي إلى مؤتمر صحفي في الخارجية الأمريكية في واشنطن من أجل الضغط على وزارة الخارجية لقطع المساعدات عن مصر، وبالتالي إلحاق الضرر بالعلاقات الأمريكية-المصرية ككل.


إن حقوق الإنسان هي قيم عليا يحترمها المصريون، وخاصة الشباب الذين قادوا الثورة في عام ٢٠١١. صحيح أن مصر لا تزال تعاني من تأخر في النهوض بالحقوق السياسية والمدنية. لكن على الجانب الآخر، عمل الرئيس السيسي بلا هوادة، منذ ست سنوات، على النهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن التقدم الذي تم إحرازه، تحت قيادة الرئيس السيسي، فيما يتعلق بتحسين الظروف المعيشية للفقراء، وتوفير الرعاية الصحية، وتمكين دور المرأة في الحياة العامة، وتحسين الحريات الدينية، هو تقدم غير مسبوق.


يجب أن تحذر إدارة بايدن من الوقوع في فخ الدعوات المطالبة بمعاقبة الدولة المصرية بقطع المساعدات العسكرية عنها. هذه سياسة خاطئة لم تثبت صحتها قط. بدلاً من ذلك، يجب أن تعمل الإدارة الأمريكية مع الدولة المصرية، وليس ضدها، إذا كانت تريد حقًا تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر.