ماذا بعد تدشين سد النهضة الأثيوبي؟



بعد ما يقرب من عقدين من التبادل السياسي الذي تراوح بين التفاوض الدبلوماسي والتلويح بالتهديد العسكري، أصبح سد النهضة الأثيوبي حقيقة يتعين على دول المصب، الواقعة على نهر النيل، قبولها والتعامل معها والاستعداد لعواقبها.


في صباح يوم ٢٠ فبراير، دشن رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، رسمياً، عمليات إنتاج الكهرباء من توربينات سد النهضة، غير عابئاً بالمناشدات المصرية والسودانية لعقد اتفاقية ملزمة مع إثيوبيا، تحافظ على حصتهما العادلة في مياه نهر النيل ضد أي استغلال محتمل من قبل الحكومات الإثيوبية الحالية أو المستقبلية بشأن إدارة وتشغيل سد النهضة. فقد دأبت الحكومة الأثيوبية، طيلة سنوات، على المراوغة باستخدام شعارات دبلوماسية من أجل تحاشي توقيع أي اتفاقيات ملزمة مع مصر والسودان، بينما في الداخل كانت تروج لخطاب قومجي يدعي زوراً أن مياه نهر النيل هي ملك حصري لإثيوبيا، لأن النيل ينبع في أراضيها، وبالتالي من حقها حبس المياه ثم بيعها مقابل المال لدول المصب أو غيرها من الدول الأفريقية المجاورة.


وفقاً لما نشرته وسائل إعلام إثيوبية، سيتراوح الإنتاج الكهربائي الأولي لكل توربين في السد بين ثلاثمائة و٣٧٥ ميجاوات. من ثم، فإن عند الانتهاء من بناء السد وملأه بالكامل، من المتوقع أن يتجاوز انتاج الكهرباء خمسة آلاف ميجاوات سنوياً. هذه أخبار جيدة للشعب الأثيوبي بكل تأكيد، لأنها تعني انتهاء معاناة المواطنين في المناطق المحرومة من الكهرباء أو مصادر طاقة بديلة، والتي تبلغ نسبتها ٦٠٪ من مساحة أثيوبيا، كما سيعزز أيضاً من الإمكانيات الاقتصادية للدولة الأثيوبية. لقد كان إنتاج الكهرباء هو الحافز الرئيسي وراء فكرة بناء سد النهضة منذ البداية. لكن يشترط لتحقيق ذلك، أن تقوم الدولة الأثيوبية بإنشاء بنية تحتية مناسبة يمكن من خلالها نقل الكهرباء التي سينتجها السد إلى الولايات المترامية، وأيضاً إلى البلدان المجاورة التي قد ترغب في استيراد فائض الكهرباء من أثيوبيا، وهو الأمر الذي تتعاون فيه بعض الدول الآن بالفعل مع الحكومة الأثيوبية على تنفيذه، إما بالتمويل أو بنقل الخبرة، ومنهم دول عربية مع الأسف سبق ودعمت حكومة أبي أحمد مالياً وعسكرياً في مواجهة اقليم تيجراي، العام الماضي.


لكن في المقابل، على المستوى الإقليمي، فإن الحكومة الإثيوبية ترتكب خطأ فادح بعدم حرصها على الحفاظ على حقوق مصر والسودان، باعتبارهما دولتي المصب وشريكتان أساسيتان في نفس النهر. منذ سبعينيات القرن الماضي، لطالما حلمت إثيوبيا ببناء سد ضخم على النيل الأزرق، لكنها كانت تخشى رد فعل عسكري من مصر. لكن، في أبريل ٢٠١١، بدأت إثيوبيا في اتخاذ خطوات جادة نحو بناء مشروع سد النهضة، الذي تم تدشين العمل فيه رسميًا في عام ٢٠١٠. ومنذ ذلك الحين، بدأت المفاوضات بين إثيوبيا والسودان ومصر حول شروط بناء سد النهضة، وبنود تشغيله. في عام ٢٠١٥، وقعت الدول الثلاث اتفاق مبادئ كخطوة أولى نحو حل النزاع. لكن مع الأسف، لم تعط حكومة أبي أحمد الإثيوبية وزنًا لهذا الاتفاق وشرعت في بناء السد دون التشاور بالشكل المناسب مع دول المصب.


في رد الفعل الوحيد الذي صدر من الدولة المصرية حتى الآن بشأن إطلاق أعمال السد، نشرت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صحفي على صفحتها في فيسبوك، تسلط فيه الضور على خرق إثيوبيا لاتفاق المبادئ المشار إليه، وقيامها بشكل أحادي بتدشين عمليات السد، كما سبق وفعلت بشأن مراحل ملأ السد الأولى والثانية. ولم يذكر البيان بشكل واضح كيف سيكون التحرك القادم من مصر تجاه تعنت إثيوبيا واستمرارها في الإضرار بمصالح دول المصب، لا سيما أنه بالنسبة لمصر، القضية أكثر تعقيدًا من الأمن المائي أو التمتع بمورد طبيعي من المياه النظيفة للشرب والزراعة. بالنسبة للمصريين، نهر النيل هو الرمز الذي تقوم حوله الهوية الاجتماعية والثقافية بأكملها.


يتحدث البعض عن الاستمرار في البحث عن حلول دبلوماسية باللجوء إلى الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة للتدخل من أجل رفع الضرر وإجبار إثيوبيا على توقيع اتفاق ملزم، لكن هذا المسار ذاته تتبعه مصر منذ أعوام، ولم يؤتي ثماره، بل استغلته أثيوبيا في تسويف المفاوضات وتضييع الوقت على مصر حتى تمكنت من الوصول بمشروع السد إلى نقطة لم يعد ممكناً عندها العودة للوراء.


من هذا المنطلق، تطالب بعض الأصوات باتخاذ مصر لإجراءات عسكرية تستطيع من خلالها ردع إثيوبيا عن المضي في المراحل المتبقية من استكمال بناء السد وملأه، دون توقيع اتفاق ملزم مع مصر والسودان يضمن حقوقهما. على الرغم من تطرف هذا الطرح، إلا أن عدد الأصوات المطالبة بخيار الحرب يتزايد منذ بداية عام ٢٠٢١، لا سيما بعد تصريح إعلامي قاله الرئيس السيسي، في منتصف مارس ٢٠٢١، يحمل تحذيرًا واضحًا لإثيوبيا مفاده أنه إذا فشلت المفاوضات، فإن النزاع قد يتم تصعيده بشكل قد يضر باستقرار المنطقة كلها، وأكد الرئيس المصري أن جميع الخيارات مفتوحة أمام مصر لاتخاذ ما تراه مناسباً للتعامل مع التعنت الأثيوبي.


في ذلك الوقت أيضاً، مارس ٢٠٢١، وقّعت مصر اتفاقية تعاون عسكري مع السودان تسمح للبلدين بتوحيد قواهما في مواجهة التهديدات الإقليمية. في الأشهر التالية، أجرت مصر والسودان عددًا من التدريبات العسكرية المشتركة في قاعدة مروي العسكرية، في جنوب السودان، بالقرب من سد إثيوبيا. في غضون ذلك، وقّعت مصر اتفاقيات تعاون عسكري أخرى مع أوغندا وكينيا وبوروندي، والتي يعتقد أنه سيتم تفعيلها إذا قررت مصر شن حرب على إثيوبيا، وهو ما سيكون أمراً كارثياً ليس فقط بالنسبة لكل الدول في الشرق الأفريقي، ولكن سيكون له تأثير كبير على الأمن والسلم العالمي.


في حالة اندلاع نزاع مسلح بين مصر وإثيوبيا، فإنه حتماً سيترتب على ذلك شل حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر، وبالتالي الإضرار بالمصالح السياسية والاقتصادية بين أوروبا وأسيا ومنطقة الشرق الأوسط. على الرغم من ذلك، فإن المجتمع الدولي والقوى الإقليمية تراقب عن بعد دون أي نية للتدخل لحل الأزمة ومنع تصعيدها إلى صراع عنيف، ولعله من المفارقات المحزنة، في هذا الخصوص، أن رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، قد أقام حفل تدشين عمليات توليد الكهرباء من السد بعد ساعات قليلة من عودته من بروكسل حيث شارك في القمة السادسة للاتحاد الأفريقي - الاتحاد الأوروبي، التي شارك فيها الرئيس السيسي أيضاً وكل زعماء الدول الأفريقية المعنية بأمر الأزمة.


لذلك، ينبغي على مصر، التي يُتوقع أن تكون الأكثر تضرراً من تشغيل سد النهضة، أن تمضي بعض الوقت في مراجعة نقاط الضعف في سياساتها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية، من أجل الاستعداد للتعامل مع التداعيات السياسية والاقتصادية المستقبلية لخيبة الأمل الدبلوماسية الكبيرة التي نواجهها الآن مع استمرار إثيوبيا دون ضابط أو رادع في مشروع سد النهضة.


اقرأه أيضاً على المدار