مصر وانقلاب السودان



المشهد في السودان يزداد تعقيداً، يوماً تلو الآخر، بينما البعض ما زال غارقاً في السؤال السفسطائي حول ما إن كان يجب وصف ما يجري في السودان على أنه "انقلاب عسكري" أو أنه فقط استحواذ للسلطة كاملة في يد الجيش بمعزل عن الحكومة المدنية. لكن هذا ليس هو السؤال المهم، الجميع يعرف أن الاضطرابات السياسية والأمنية المتصاعدة الآن في السودان هي أمر في منتهى الخطورة، ليس فقط بالنسبة للشعب السوداني، ولكن أيضاً بالنسبة لمصر ومنطقة شمال وشرق أفريقيا، وربما يمتد تأثيرها السلبي إلى دول المشرق أيضاً. ومن ثم فإن السؤال الأهم الآن هو كيف يمكن احتواء الموقف بشكل سريع وإعادة الاستقرار للسودان، من خلال إعادة التوازن بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية، ومن بين كل القوى الإقليمية والدولية بيده أن يساعد السودان بشكل حقيقي على العبور من تلك الأزمة بأقل خسائر ممكنة.


يمضي الفريق عبد الفتاح البرهان في تعزيز قبضته على السلطة رغم ضغوط المجتمع الدولي وغضب المواطنين السودانيين. فقد أعاد البرهان تعيين نفسه رئيسا لمجلس السيادة، بعد الإطاحة بشكل مفاجئ قبل أسبوعين بالحكومة المدنية التي كانت تتقاسم السلطة معه، وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات المقررة بهدف إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة حكومة دائمة. حتى هذه اللحظة، قُتل ما لا يقل عن تسعة عشر شخصًا على أيدي قوات الأمن أثناء مشاركتهم في الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت في جميع أنحاء الخرطوم لرفض ما وصفوه بـ "الانقلاب العسكري". بالإضافة إلى ذلك، تم اعتقال أكثر من مائة من النشطاء السياسيين البارزين والمسؤولين الحكوميين المدنيين.


ليست هذه هي المحاولة الانقلابية الأولى التي يقوم بها البرهان ضد المسؤولين المدنيين الذين شاركوا في قيادة مجلس السيادة معه، منذ الإطاحة بعمر البشير في عام ٢٠١٩. إن المتابع للمشهد المعقد في السودان، منذ ذلك الحين، يعرف أن البرهان ما كان ليسمح لحكومة مدنية بأن تحكم البلاد بشكل مستقل عن المؤسسة العسكرية. في وقت الثورة، كان البرهان مضطراً لقبول تقاسم السلطة مع المدنيين كحل وسط مؤقت لتجنب الإطاحة به من قبل الثوار المؤيدين للديمقراطية والرافضين لحكم المؤسسة العسكرية. حالما هدأت العاصفة، وأستطاع البرهان أن يثبت أقدامه، بدأ يعمل على التخلص من الحكومة المدنية للاستيلاء على السلطة حصريًا لنفسه.


المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، على طرفي نقيض من الطيف الممتد من تركيا وقطر إلى السعودية والإمارات، أدانت صراحة الانقلاب العسكري في السودان. إلا أن مصر قررت أن تقف على مسافة من المشهد وتراقبه بصمت، دون أن تعلق عليه بأي شكل، لا مع ولا ضد، على الرغم من كون مصر هي أقرب بلد جار وحليف للسودان. بل يمكننا الادعاء أن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها التأثير بشكل حقيقي على المجريات السياسية في السودان، لأسباب عديدة تتعلق بالاعتماد المتبادل بين البلدين على المستوى الجيوسياسي والاقتصادي والدبلوماسي والأمني، فضلاً على الترابط الثقافي والجغرافي والتاريخي أيضاً بينهما.


عندما التقى وزراء الخارجية المصري والأمريكي لاستئناف الحوار الاستراتيجي بين البلدين، والذي عقد الأسبوع الماضي في واشنطن، لم تكن الأولوية على جدول أعمالهم هي مناقشة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أو مكافحة الإرهاب، ولكن كان السودان هو الموضوع الذي يحظى بالأولوية الأقصى في هذا الحوار الذي امتد إلى ما هو أبعد من العلاقات الثنائية المباشرة بين مصر وأمريكا، ليشمل مستقبل منطقة الشرق الأوسط ككل. حتى أن بعض المراقبين زعموا أن الاضطرابات الأخيرة في السودان هي السبب الرئيسي وراء قرار الولايات المتحدة استئناف المحادثات الاستراتيجية مع مصر، بعد توقف دام سنوات. على ما يبدو، أرادت الولايات المتحدة الاعتماد على مصر في السيطرة على الاضطرابات وإعادة السودان إلى مسار التحول الديمقراطي. ولكن، الإشارة المختصرة جداً للسودان في البيان الختامي المشترك للحوار الاستراتيجي الأمريكي المصري تظهر أن مصر رفضت في تلبية الرغبة الأمريكية.


على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصف رسميًا استيلاء البرهان على السلطة بأنه انقلاب عسكري، إلا أنها تعمل بلا هوادة لعكس مسار الأحداث وإعادة تنصيب الحكومة المدنية. في اليوم التالي للانقلاب، أعلن وزير الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكين، أن إدارة بايدن ستعلق المساعدات المستحقة للسودان (وقيمتها ٧٠٠ مليون دولار) حتى يتراجع البرهان عما فعله.


وفي الثالث من نوفمبر، نجحت الولايات المتحدة في الضغط على كبار الداعمين الإقليميين للبرهان – السعودية والإمارات - لإدانة التحرك الذي أقدم عليه، في بيان مشترك وقعته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات، الذين وصفوا أنفسهم بـ "الاتحاد الرباعي من أجل السودان." ويأتي أهمية إشراك السعودية والإمارات في هذا الرباعي تحديداً من حقيقة أنه بعد سقوط عمر البشير في ٢٠١٩، وعدت السعودية والإمارات بثلاثة مليارات دولار لدعم السلطة الانتقالية في السودان تحت قيادة البرهان والجيش، وبالفعل تم إيداع خمسمائة مليون من هذا المبلغ في البنك المركزي السوداني في ذلك الوقت.


لكن في المقابل، يبدو أن مصر غير مستعدة لتغيير مسار الأحداث في السودان. هذا ليس لأن مصر دبرت الانقلاب مع البرهان كما يزعم بعض المعلقين، حيث أن أي اضطراب في السودان هو تهديد خطير للأمن القومي المصري. لكن يبدو أن مصر ترى أنه على المدى الطويل، من المرجح أن يخدم البرهان مصالح الأمن القومي المصري بشكل أفضل من أي قيادة مدنية حالية أو مستقبلية، خصوصاً فيما يتعلق بالصراعات والتهديدات الإقليمية، حيث أن أجندة البرهان والسيسي متوافقة تمامًا فيما يتعلق بالنزاع القائم على نهر النيل مع إثيوبيا، وكذلك جهود مكافحة الإرهاب في شرق إفريقيا، وضرورة السيطرة على التهديد المتزايد للميليشيات الأفريقية في ليبيا وتشاد. لذلك، عندما يحين الوقت، ستتدخل مصر حتماً بالشكل المناسب.


اقرأه أيضاً على المدار