top of page

العلاقات المصرية الأميركية: ما وراء الحوار الاستراتيجي



لقد أثبت الوقت والخبرة أن مصر هي، إلى حد بعيد، أهم شريك استراتيجي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بأنها الأكثر تعقيدًا ومحلاً لسوء الفهم. على الرغم من أن الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس جوزيف بايدن استغرقت أكثر من خمسة أشهر لإدراك هذه الأهمية، خاصة بعد تبادل الهجمات الصاروخية بين إسرائيل وحماس، يبدو أن العلاقة بين الحليفين القديمين تشهد أخيرًا قفزة نوعية إلى المسار الصحيح.


في ٨-٩ نوفمبر، استؤنف الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر بعد سنوات من الجمود، وهو يبشر بمرحلة جديدة كاملة في العلاقة بين البلدين التي يعود تاريخها إلى قرن مضى. ومع ذلك، انطلاقًا من تاريخ العلاقات بينهما، علينا أن نسأل عن المدة التي يُتوقع أن يستمر فيها هذا الزخم قبل أن تطفو الخلافات غير المحسومة بين الدولتين إلى السطح، مرة أخرى.



علاقات ودية صعبة


في العام المقبل، سنحتفل بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة. يرجع بعض المؤرخين بداية العلاقة بين مصر والولايات المتحدة إلى القرن التاسع عشر؛ عندما سُمح للأطباء الأميركيين بالوصول إلى مصر لمساعدة الجنود السودانيين الجرحى، في عام ١٨٢٣. وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل، لم تكن العلاقة بين الحليفين سهلة أو سلسة على الإطلاق؛ بل تجسيد مثالي لعلاقة ودية صعبة.


وعلى الرغم من اعتراف البلدين بأنه لا يمكن الاستغناء عن بعضهما البعض، دائمًا ما توجد خلافات قوية في المعتقدات والتصورات بين القادة المصريين والأميركيين المتعاقبين، مما جعل من الصعب على فترات التعاون القصيرة أن تسفر عن أي آثار ملموسة على المدى الطويل. وفي الوقت ذاته، تركت الفترات الطويلة من الفتور والتباعد ندبات غير قابلة للإزالة على كل جانب، وإن كانت بدرجات متفاوتة من الألم.


في الوقت الحالي، نشهد لحظة صعود في الشؤون الأميركية المصرية ينبغي استخدامها بشكل مناسب لجعل مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر أكثر ثباتًا واستدامة، من خلال التغلب على نمط الصعود والهبوط، أو الفتور والدفء، في العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر .


عقدت الأسبوع قبل الماضي في واشنطن جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي الأميركي المصري بقيادة وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن. وتناول الحديث، الذي استمر يومين، بين الوفدين الدبلوماسيين رفيعي المستوى، العلاقات الثنائية، فضلاً عن التحديات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.


وقد جاء في البيان الصحافي لوزارة الخارجية الأميركية: «مصر شريك حيوي للولايات المتحدة. نحن ملتزمون بتعزيز الشراكة الأميركية المصرية التي استمرت أربعين عامًا». وفي ختام الحوار، أصدر البلدان بيانا مشتركا أكد على «أهمية الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر، وتحديد المجالات التي يمكن فيها تعميق التعاون الثنائي والإقليمي، بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والتجارية، والتعليم، والقضايا الثقافية، والشؤون القنصلية. وحقوق الإنسان والعدالة وإنفاذ القانون، والدفاع والأمن. كما اتفقا على أهمية إجراء هذا الحوار على أساس منتظم».


هذه هي الجولة الأولى من المحادثات الاستراتيجية المصرية الأميركية التي تعقد في ظل إدارة بايدن الجديدة، كما أنه أول حوار فعلي بين الحليفين منذ اندلاع ثورات الربيع العربي التي أسفرت عن تغييرين للنظام في مصر خلال أقل من ثلاث سنوات. ولا يمكن احتساب الجولة السابقة من الحوار الاستراتيجي الأميركي المصري التي عقدت عام ٢٠١٥، حيث تمت في وقت شابته التوترات بين إدارة الرئيس أوباما والرئاسة المصرية الجديدة آنذاك للسيسي. وجعلت الاضطرابات السياسية والأمنية التي طغت على مصر في ذلك الوقت من الصعب وضع أي خطط بشكل مناسب أو تطبيقها بشكل ملموس.


ومع ذلك، هذه المرة، تشارك مصر في الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة كدولة قوية راسخة يمكنها حقًا إحداث تغيير في المنطقة. علاوة على ذلك، تبدو السياسة الخارجية لإدارة بايدن تجاه مصر ودول أخرى في المنطقة أكثر برغماتية وتفهماً مما كان متوقعاً منه مسبقاً.



ثنائية حقوق الإنسان والعلاقات العسكرية


على الرغم من الخلافات السياسية والدبلوماسية العديدة بين مصر والولايات المتحدة، إلا أن التعاون العسكري بين البنتاغون والقوات المسلحة المصرية لم يتزعزع. فعلى العكس، لعبت هذه الرابطة القديمة بين الجيشين دورًا هائلًا في السيطرة على نتائج لحظات الاضطرابات الحرجة في مصر والشرق الأوسط. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حرب الخليج عام ١٩٩١ والأحداث اللاحقة للربيع العربي عام ٢٠١١.


يذكر أن التعاون الاستراتيجي الأميركي المصري في مجال الدفاع، بدأ في النصف الثاني من السبعينات، عندما قرر الرئيس أنور السادات إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، التي قطعها سلفه جمال عبد الناصر لصالح حلفائه الشيوعيين في الاتحاد السوفياتي. بعد ذلك، في الثمانينات، انتقلت العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة ومصر إلى مستوى جديد تمامًا حيث بدأت الولايات المتحدة في تقديم التدريب والمساعدات المالية للجيش المصري، وفقًا لبنود اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩.


ومن بين معايير العلاقة العسكرية القوية بين البلدين التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات (النجم الساطع)، والتي تقام سنويًا منذ عام ١٩٨١ على الأراضي المصرية وتحت إشراف أميركي. في سبتمبر (أيلول) الماضي، نظمت الولايات المتحدة ومصر أكبر مناورات عسكرية في تاريخ «عملية النجم الساطع»في قاعدة محمد نجيب العسكرية في مصر، شاركت فيها ٢١ دولة من جميع أنحاء العالم.


ومع ذلك، تعرضت العلاقات العسكرية القوية بين الولايات المتحدة ومصر للاستخدام بشكل غير مناسب، أكثر من مرة، للضغط على الدولة المصرية لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان. ومن المؤسف أن الإدارة الأميركية الحالية تصر على اتباع نفس اللعبة المحفوفة بالمخاطر مع مصر، على الرغم من أنها أثبتت ضررها لكلا الجانبين في الماضي. وفي سبتمبر، ذكرت مجلة «بوليتيكو»أن إدارة بايدن تبحث وقف نسبة عشرة في المائة من المساعدات العسكرية المستحقة لمصر (حوالي ١٣٠ مليون دولار من أصل ١,٣ مليار دولار) من أجل الضغط على الدولة المصرية لتحسين أدائها فيما يتعلق بضمان حقوق الإنسان واحترامها. وصرح مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية لـ«بوليتيكو»التي تتخذ من واشنطن مقراً لها أن المبلغ المجمد قد يكون متاحاً في السنوات المالية المقبلة إذا نجحت مصر في تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان.


ومن المؤسف أن إدارة الرئيس بايدن لم تتعلم من أخطاء الإدارة السابقة وليست على استعداد لتغيير السياسة المعيبة الممثلة في تطبيق الضغوط الاقتصادية والسياسية، من خلال قطع أو تجميد المساعدات العسكرية، لدفع مصر إلى تحسين حقوق الإنسان.هذه الطريقة لم تنجح مع الأنظمة المصرية السابقة ولن تنجح مع القيادة المصرية الحالية. ناهيك عن الأثر السلبي الذي ستتركه على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. أدى ربط المساعدات العسكرية الأميركية لمصر بتحسين أداء الدولة في قضايا حقوق الإنسان إلى إثارة عشرات الخلافات السياسية بين الولايات المتحدة ومصر في الماضي، مما كان له كبير الأثر على العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.


ففي عام ٢٠٠٥، هددت الإدارة الجمهورية للرئيس جورج بوش الابن بقطع جزء من حزمة المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية السنوية المستحقة لمصر، إذا لم يخصص الرئيس مبارك في ذلك الوقت مساحة في البرلمان للإخوان المسلمين، الذين قدموا أنفسهم للمجتمع الدولي كمعارضين سياسيين في ذلك الوقت.ونتيجة لذلك، اكتسب الإخوان المسلمون والسلفيون المتطرفون نفوذاً أكبر على الساحات الاجتماعية والثقافية والسياسية داخل مصر. وأثناء ذلك، توقفت العلاقة بين مصر والولايات المتحدة لفترة طويلة قرابة أربع سنوات، حتى حل أوباما محل بوش في عام ٢٠٠٩. وخلال تلك السنوات، تعرقل دور الولايات المتحدة ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير.


بعد عشر سنوات، قاد المصريون خلالها ثورتين ناجحتين أسقطتا نظام مبارك الاستبدادي في عام ٢٠١١، ونظام الإخوان المسلمين الثيوقراطي في عام ٢٠١٣، لعبت إدارة الرئيس أوباما نفس الورقة الخطيرة بخلط المساعدات العسكرية بقضية حقوق الإنسان ضد النظام الحالي بقيادة الرئيس السيسي. وعلى غرار ما حدث مع الرئيس بوش، جاءت خطوة إدارة أوباما بنتائج عكسية وألحقت أضرارًا جسيمة بالنفوذ السياسي والعسكري للولايات المتحدة على الشرق الأوسط، بينما لم تحفز في المقابل أي إصلاحات ملموسة في مجال حقوق الإنسان كنتيجة مباشرة لهذا الضغط.


خلال العقود الأربعة الماضية، اعتمدت مصر، بشكل شبه حصري، على الولايات المتحدة في التسلح. تتلقى مصر حزمة مساعدات اقتصادية وعسكرية قدرها ١,٣ مليار دولار من الولايات المتحدة على أساس سنوي، تماشيا مع بنود اتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩. وبعد أشهر قليلة من الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين من السلطة في عام ٢٠١٣، قررت إدارة أوباما تجميد المساعدات العسكرية لمصر، وبالتالي أوقفت جهود المشتريات العسكرية. تم رفع تجميد المساعدات جزئيًا في عام ٢٠١٥، ثم تم تطبيقه م