أين وصلت طموحات الربيع العربي بعد عشر سنوات؟



إن الربيع العربي هو أحد أكثر الحركات تميزًا في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كان لثورات الربيع العربي تأثيرات كبيرة، على المدى القصير والمدى الطويل، ساعدت في إعادة تشكيل المنطقة كما نعرفها اليوم في عام ٢٠٢١. لكن بالرغم من أنه كانت من أهم مطالب الربيع العربي بناء الديمقراطية وضمان الحريات وتحسين الأوضاع الاقتصادية، إلا أن أي من هذه الأهداف لم يتحقق، حسبما يتضح في هذا التحيل، عبر مقارنة النتائج المرجوة مع النتائج الفعلية للربيع العربي، بشكل يتيح لنا فهم أفضل للأوضاع السياسية والاقتصادية التي وصلت إليها منطقة الشرق الأوسط، بعد عشر سنوات.


بدأ الربيع العربي في ١٧ ديسمبر ٢٠١٠ واستمر لمدة عامين حتى ديسمبر ٢٠١٢. وبلغت الحراك السياسي ذروته، في معظم دول المنطقة، في ربيع ٢٠١١. بشكل عام، بدأ الربيع العربي لأن الناس في جميع أنحاء المنطقة سئموا من حكوماتهم وأرادوا الاحتجاج لإحداث تغيير إيجابي يطور حياتهم. وشملت القضايا المحددة التي تسببت في اندلاع ثورات الربيع العربي، انتشار الأنظمة السلطوية والفساد السياسي والفقر والبطالة والتضخم وانتهاكات حقوق الإنسان والممارسات الطائفية. تضمنت أهداف الربيع العربي تعزيز الديمقراطية عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتعزيز أوضاع حقوق الإنسان، والانفتاح الاقتصادي، وتحسين فرص العمل. تضمنت أساليب الاحتجاج في جميع أنحاء المنطقة العصيان المدني والمظاهرات وبعض الأنشطة على شبكة الإنترنت وعبر وسائل الإعلام التقليدية. وبحسب تقارير رسمية للدول التي مرت بالربيع العربي، فإن حوالي ٦١ ألف شخص لقوا حتفهم في جميع أنحاء المنطقة خلال هاتين السنتين فقط.


عندما أضرم محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجًا على فساد وعنف الشرطة في تونس، أحدث موجة من الاحتجاجات والضجة التي غيرت المنطقة بشكل جذري. إذ تسبب انتحاره في تصاعد الاضطرابات والاحتجاجات، ليس فقط في تونس ولكن أيضًا في ليبيا ومصر وسوريا والبحرين، قبل أن ينتشر إلى بقية دول المنطقة. أدى الربيع العربي في تونس إلى الإطاحة بالرئيس التونسي، آنذاك، زين العابدين بن علي، ومن ثم نفيه. كما أطاحت الاحتجاجات التونسية بالحكومة التونسية بأكملها. وبعد عشر سنوات، تُعتبر تونس الدولة الأكثر نجاحًا في تحقيق طموحاتها من الربيع العربي، حيث أصبحت تونس تتمتع الآن بنظام ديمقراطي يعمل بشكل جيد، رغم ما يعتريه من مشكلات في بعض الأحيان، وتعتبر تونس حالياً هي الدولة الأكثر ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفقًا للمعايير الغربية.


مع الأسف، فإن تونس هي الدولة الوحيدة التي حققت ذلك النوع من التقدم الديمقراطي الذي كان يتوق إليه المتظاهرون في الربيع العربي. على الرغم من أن الاحتجاجات ساعدت في إزاحة القادة وإسقاط الحكومات في ليبيا ومصر واليمن، إلا أن هذه الدول لم تشهد نوع التقدم الديمقراطي الذي كانت تبحث عنه. أدت احتجاجات الربيع العربي أيضًا إلى اندلاع الصراع الطائفي والحرب الأهلية، مما تسبب في عمليات نزوح جماعي في ليبيا وسوريا واليمن. والعديد من الدول العربية أسوأ حالًا مما كانت عليه قبل اندلاع الثورات في عام ٢٠١٠، والمنطقة ككل أسوأ مما كانت عليه قبل عشر سنوات. لقد تصاعد معدل الفقر في منطقة الشرق الأوسط. المنطقة هي المكان الوحيد في العالم الذي أصبح فيه الناس أكثر فقراً في العقد الماضي، من حيث العدد الإجمالي ونسبة السكان. وفقًا للبنك الدولي، حل الشرق الأوسط في عام ٢٠١٨ محل أمريكا اللاتينية من حيث عدد الأشخاص المصنفين على أنهم فقراء.


وعلى نفس المنوال، فإن اقتصاد المنطقة يعاني بشدة. أدت التحديات الاقتصادية الهائلة، إلى جانب تزايد عدد السكان، إلى جعل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشهد أعلى معدل لبطالة الشباب في العالم. من غير المنطقي أن الربيع العربي، الحركة التي دعت إلى مزيد من الحريات الاقتصادية والنمو، سيجد في نهاية المطاف أن المنطقة أسوأ حالًا اقتصاديًا مما كانت عليه قبل عشر سنوات عندما بدأت الاحتجاجات. يجدر أيضًا التساؤل عن مدى الدور الذي لعبه الربيع العربي في تدهور الوضع الاقتصادي في المنطقة، حيث تسبب في عدم استقرار كبير وفراغ في السلطة وأعمال عنف سهلت طريقًا للفساد والانكماش الاقتصادي.


لكن ظل الربيع العربي بعد عشر سنوات ليس مظلمًا تمامًا، حيث نفذت الحكومات في الكويت ولبنان وعمان والأردن وفلسطين والمغرب إصلاحات دستورية وقانونية استجابة للاحتجاجات. في بعض الحالات، أصبحت البلدان أكثر استقرارًا وتحسنت الحريات المدنية نتيجة للتشريعات المطبقة على أساس احتجاجات الربيع العربي. على سبيل المثال، زاد تمثيل المرأة في الحكومة بشكل كبير في العقد الماضي في جميع أنحاء المنطقة، ويتحدث المزيد من النساء بجرأة أكبر عن المظالم اللاتي يتعرضن لها.


سيكون من المهم مراقبة كيف ستؤثر جائحة فيروس كورونا على أهداف الربيع العربي على المدى الطويل. هل سيؤدي الاضطراب الاقتصادي الناجم عن الوباء إلى تفاقم الظروف المعيشية في الشرق الأوسط فقط، أم ستفتح حكومات الشرق الأوسط صفحة جديدة عندما ينتهي الوباء أخيرًا، ويبدأ العالم في إعادة توحيد نفسه مرة أخرى؟