هل تنجح الموجة الثانية من الربيع العربي؟



قبل عشر سنوات، في هذا الوقت، شهد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا موجة من الاضطرابات السياسية والاحتجاجات. أصبحت الحركات الشعبية، التي طالبت بتفعيل الديمقراطية، وإتاحة فرص اقتصادية أفضل، وزيادة الحريات المدنية، تعرف باسم الربيع العربي. أدى الربيع العربي إلى تغيير جذري في مسار التاريخ في المنطقة. من بعض النواحي، كان الربيع العربي ناجحًا. تمت الإطاحة بالعديد من الأنظمة الفاسدة من السلطة، وقام العديد من قادة الدول بتعديل الدساتير والقوانين لتعكس مطالب المحتجين. ومع ذلك، بشكل عام، لم ينجح الربيع العربي إلى حد كبير. كانت معظم الأنظمة قادرة على التمسك بالسلطة، وفي بعض الحالات اندلعت الحرب الأهلية. فقد الكثير من الأبرياء حياتهم، واليوم تعتبر سوريا وليبيا واليمن دول فاشلة. تونس هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي شهدت خطوات كبيرة في اتجاه الديمقراطية. أما في الدول الأخرى، ظلت الأنظمة الأوتوقراطية هي المسيطرة على السلطة.


على الرغم من سحق احتجاجات الربيع العربي عام ٢٠١١ في نهاية المطاف، إلا أن الأسباب الكامنة وراء تلك الاحتجاجات لم يتم سحقها بالمثل. حسبما يشير تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، "لم تختف المشاكل التي خلقت الاحتجاجات، فقط المتظاهرون أنفسهم [اختفوا]". منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر فقراً مما كانت عليه عندما بدأت احتجاجات الربيع العربي عام ٢٠١١. هناك فرص اقتصادية أقل، ونوعية حياة الشخص العادي الذي يعيش في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أقل مما كانت عليه عندما بدأت احتجاجات عام ٢٠١١، ولم تتحسن الممارسات الديمقراطية بعد.


إذاً، هل يمكن أن تكون هناك موجة أخرى من الربيع العربي؟ ربما. تشهد المنطقة بالفعل حركة احتجاجات وانتفاضات أخرى ضد الأنظمة الاستبدادية. بدأت هذه "الموجة الثانية" في عام ٢٠١٨ وتشبه إلى حد كبير احتجاجات عام ٢٠١١، في ثلاث دول على وجه الخصوص، هي: الجزائر والسودان ولبنان.


في الجزائر، أدت الاحتجاجات السلمية ولكن الحازمة إلى استقالة عبد العزيز بوتفليقة عندما حاول الإعلان عن ترشحه لولاية رئاسية خامسة في أبريل ٢٠١٩. وبحلول مايو ٢٠١٩، تم اعتقال العديد من السياسيين الفاسدين من حكومة بوتفليقة. في سبتمبر ٢٠١٩، اندلعت الاحتجاجات في السودان واستمرت حتى اليوم. تشمل أهداف الاحتجاجات السودانية رئيسًا جديدًا للقضاة والمدعي العام، وإقالة ومحاكمة مسؤولين من حكومة البشير، والإفراج عن عبد الرحمن حسن، طالب سوداني، كان قد تم اعتقاله أثناء احتجاجات ٢٠١٩ في مصر، كما تم التحقيق في مجزرة الخرطوم، التي وقعت في يونيو ٢٠١٩. أدت الاحتجاجات اللبنانية، التي لا تزال مستمرة أيضًا، إلى استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري (أعيد تعيينه لاحقًا في أكتوبر ٢٠٢٠)، واستقالة رئيس الوزراء حسان دياب، واستقالة عدد من أعضاء مجلس النواب.


في حين أن أسباب الاحتجاجات المذكورة أعلاه هي نفسها أسباب الموجة الأولى من الربيع العربي قبل عشر سنوات، إلا أن الأساليب المتبعة بواسطة المحتجين للتعبير عن مطالبهم مختلفة. كانت أهداف الموجة الأولى من الربيع العربي هي تشجيع القادة العرب على تعديل قياداتهم وتغيير سياساتهم للسماح بفرص ديمقراطية واقتصادية أكبر. الآن، يبدو أن المتظاهرين لا يؤمنون بأن الحكومات ستغير أساليبها في القيادة، وبالتالي فهم يطالبونهم بالاستقالة وتفكيك الحكومات الفاسدة بالكامل. هذه المرة، لا يثق المحتجون في حكوماتهم عندما يعدون بأنهم سيتغيرون، ويريدون بدلاً من ذلك وجوه سياسية جديدة وأحزاب سياسية جديدة تمامًا.


إن الموجة الثانية من الاحتجاجات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر سلمية بطبيعتها من الأولى. على الرغم من عدم خوف النظامين الجزائري والسوداني من تشجيع جيوشهما على استخدام العنف للقمع، فإن المتظاهرين أنفسهم لم يردوا على العنف بمزيد من العنف. وبسبب سلميتهم، تمكن المتظاهرون من تحقيق المزيد من النجاحات في هذه الموجة الثانية من الاحتجاجات مقارنة بالموجة الأولى. اختار المتظاهرون في لبنان أيضًا تجاهل النزعات الطائفية الموجودة مسبقًا وشكلوا هوية لبنانية متماسكة من خلال الاحتجاج السلمي معًا يد واحدة، وهو أمر فريد أيضًا في هذه الموجة الثانية.


ليست الجزائر والسودان ولبنان البلدان الوحيدة التي تشهد موجة ثانية محتملة من الربيع العربي. ولكن شهدت الأردن والعراق والمغرب أيضًا تصاعدًا في الاحتجاجات في السنتين الأخيرتين، على الرغم من أنها لم تتسبب في استقالات أو تغيير سياسي على نفس مستوى الاحتجاجات في الجزائر ولبنان والسودان. سيكون من المثير للاهتمام، مع مرور الوقت، معرفة ما إذا كانت هذه الاحتجاجات في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سوف تستمر في النمو إلى مستوى يضاهي مثيلاتها في الموجة الأولى من الربيع العربي. وسيكون من المثير للاهتمام أيضًا متابعة ما إذا كانت هذه الموجة الثانية من الاحتجاجات سوف تحافظ على طبيعتها السلمية مع مرور الوقت، وإذا ما كانت سوف تتبع النمط الجديد المتمثل في مطالبة الحكومات بالاستقالة بالكامل، بدلاً من الوثوق في وعود السياسيين بالتغيير.